مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٢٣

المبحث السابع: فلسفة الإلحاد

الوضعيّة المنطقية

تلقى حتفها

إنَّ الفلسفة الوضعية المنطقية تتناسب مع مبادئ الإلحاد تناسبًا عميقًا، وكأنها ثوب قد حيك من أجلها، فهي نظرة مادية مختزلة كما أنَّ الإلحاد نظرةٌ مادية مختزلة، وإنَّ أيَّ انهيار يمسُّ الفلسفة الوضعية المنطقيَّة كفيل بأن يعقبه انهيار مماثل لدعائم الفكر الإلحادي، فبعد سيل الانتقادات الاذعة الذي تعرّضت له الوضعيّة المنطقيَّة ما عاد لها أن تصمد وتتماسك، وأنَّى لها ذلك والمنطق العقلي يزدريها ولا يزدرِدُها مطلقًا! وبالفعل؛ فقد تبنى انهيار هذه الفلسفة أشهرُ المنظرين لها والمدافعين عنها، بدايةً من لودفيغ فتغنشتاين الذي عزف عنها وألقاها في مَراغَة الإهمال بعدما وضع نظرية (اللغة والألعاب) النَّاصَّة على أنَّ لكل لغةٍ قواعدها، ولكل لعبة قوانينها، وانتهاءً بالسير ألفريد آير الذي أقر بأنَّ هذه الفلسفة صارخة بالتناقضات؛ حيث إنَّها تختزلُ منهج العلوم اختزالا قبيحًا، وتساوي بين منهج العلوم الطبيعية ومنهج العلوم الإنسانية، وهذا ما لا يقع في حبالة أمل، ولا تناله حيلة محتال، فـ (المماثلة بين المتفارقين) لا تصح، كما أنَّ (المفارقة بين المتماثلين) لا تصح أيضًا، والقضايا الدينية - كوجود الله - لا يُمكن النظر إليها بالعين ذاتها التي ننظر بها إلى وجود الماديات من حولنا، والأمور التَّاريخيَّة لا يُمكن لنا أن نُعايرها بالمعايير ذاتها التي تسقطها على العلوم الطَّبيعية، ومن أجل هذه المشكلات العويصة التي تلفظها قريحةُ الصَّواب أعلن السير ألفريد آير رسميًّا مصرع الفلسفة الوضعية المنطقية واندثارها. أما في عالمنا العربي فنستشهد بما سطره زكي نجيب محمود، الذي أدلى باعترافه قائلًا: فكاتب هذه الأسطر من أشياعها ودعاتها - أي الوضعيّة المنطقية - لكنه يكاد يكون في الميدان وحيدا، يتكلم بغير سامع، ويكتب لغير قارئ". لقد كان انتشار قبول الناس للوضعية المنطقية سُطرةً تمنَّاها زكي نجيب محمود، وحُلمًا راوده مرارًا، إلا أنَّ خيبة أمله كانت كبيرة جدًّا، فالفلسفة الوضعية المنطقية لم تجد آذانًا عربيَّةً مصغية؛ مما جعل نصيرها الأوحد - زكي نجيب محمود - يشعر بالامتعاض والأسى (1).

1 - يُنظر: ماهر عبد القادر، خرافة الوضعية المنطقية، ص 47.

323