مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
تعقيبًا على الوضعية
المنطقية
إنَّ منظومةً كمنظومة الإلحاد تقومُ على دعاماتٍ فلسفيَّةٍ متباينةٍ ومختلفة، يعزُّ على اليراع أن يُلملم شتات فلسفتها، ويُرمم ما تشفّى من جسدها، فقد ركبت فلسفة الإلحاد الصعب والألول على مدى العقود الطَّويلة السابقة، ولئن كان بالإمكان أن نترسم المعالم الرئيسة لها فحتما ستُطِلُ علينا بعضُ الاستثناءات والانحرافات، وستتزاحم علامات التعجب والاستفهام، خصوصا عندما يتمُّ إسقاط تلك الفلسفات على الواقع الميداني، فالمادية - على سبيل المثال - وكذلك رفض الأمور الميتافيزيقية هي أبرز المعالم الرئيسة التي تجمع فلسفات الإلحاد المختلفة، لكنَّنا نجد انحرافات عن مجرى هذه المعالم الرئيسة في خضم أي نقاش يدور بين دفتي (الإلحاد والإيمان)، فالمادية نفسها مرَّت بمراحل متهدّلةٍ متأرجحة، فقد كانت في سابق عهدها محصورةً فيما تُدركه الحواس فقط لا غير، ثمَّ اصطدمت بعدة قضايا لا تُدركها الحواس بهذا المعنى، كالمشاعر والأحاسيس والأفكار والوعي والإدراك ونحوها، فخرجت بثوب فضفاض هذه المرة بأنَّ الموجودات من قبيل المشاعر والأحاسيس والأفكار والوعي هي صورةٌ من صُوَر المادَّة، لكن لم ينل هذا التَّوبُ استحسان الجميع؛ لما فيه من التلاعب والإنشاء بأنَّ المادة قد تكون غير محسوسة، ولا تُدركها الحواس! فتقرر تعديل هذا الطرح بأن يُقال بأنَّ مثل هذه الأمور - أي الأفكار والمشاعر والأحاسيس والوعي - هي أثر من آثار المادة، وليست صورة من صورها وهذا الطرح سقيم كسابقه! فأزمعت الفلسفة المادية على أن تتبنى طرحًا آخر تمثل فيما قاله لينين من أنَّ المادة هي كلُّ ما له وجود موضوعي مستقل لا يعتمد على وعينا، وهذا الطَّرح نفسه طرح مخترق، فالإله يدخل فيه صراحةً؛ لأنَّ وجوده وجود موضوعي لا يعتمد على وعينا وهذا ما لا يتغيَّاه الإلحاد، ولا تتقصده فلسفته المادية بكل تأكيد (1)!
جديد يزعم
الفارغ؛
لأنَّ ذلك
يعني
ثمَّ إنَّ مستوى رفض الأمور الميتافيزيقية يتفاوت في الفلسفة الإلحادية، فهناك رفض قاصل
1 - يُنظر: شيخ جعفر إدريس، الأسس الفلسفية للمذهب المادي، مجلة المسلم المعاصر، العدد الثامن.
325