مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٢٦مناجزة الإلحاد
قاطع لا يرى في الأمور الميتافيزيقيَّة إلا اللغو والعبث والفراغ، وهناك رفض أقل حدةً من ذلك وأكثر تسامحًا، وهناك رفض ذو حدين متناقضين، يتجلى تناقضه أكثر عند تسليط الضوء على المستوى التَّنظيري الرافض والمستوى التطبيقي المتقبّل وإن في الاتجاه المعاكس للإيمان بطبيعة الحال، وخير من يُجسّدُ هذا التناقض الصَّارخ هو ريتشارد دوكنز في كتابه (وهم الإله) كما في بعض مقابلاته؛ حيث يزعم بأنَّ السُّؤال عن وجود الله هو سؤال عِلمي ينبغي أن يتم تناوله تناولا علميًّا، ومن ثمَّ نحكم على وجود الله إثباتًا أو نفيًا، ويزعم في الكتاب نفسه - في مواضع أخرى منه - بأنَّ السُّؤال عن وجود الله سؤال لا يُمكن إثباته أو نفيه؛ أي أنَّه أصبح سؤالًا
غير علمي!
بل إنَّ منهج الإلحاد نفسه لا يسير على خط واحد، وإنَّما يتطاير ويتناثر شعاعًا، فتجد بعض الملاحدة ينتهجون منهجًا يرفضون فيه إقحامَ العِلم التَّجريبي ومعطياته في التعاطي مع قضايا الإيمان والإلحاد، ويكتفون باستعراض أدلة العقل والفلسفة والمنطق، وحجتهم في نهج هذا المنهج نابعة من إدراكهم لطبيعة قضيتي (الإيمان والإلحاد، فهما ليستا من القضايا (التحليلية) ولا (التَّركيبيَّة)؛ مما يعني أنَّهما خارج نطاق العِلم التَّجريبي من الأساس. وتجد بعض الملاحدة يختلفون مع هذا المنهج رأسًا على عقب، فلا حيلة لهم إلا استخدام العلم ومعطياته كمنهج لهم في تعاطيهم مع قضايا الإيمان والإلحاد، ومن هنا يتضح جليًّا مدى الاختلاف والتضارب والتموج في منهج الإلحاد وفلسفته.
لقد عادت الوضعية المنطقيَّةُ إلى التَّشبث بحبال الميتافيزيقا من حيث لا تشعر، وذلك عندما رأت أمام ناظريها الكثير من القضايا العلمية التي أمكن التنبؤ بها دون القدرة على إثباتها تجريبيا، فما كان منها - أي الوضعية المنطقية - إلا أن أعادت ترميم نفسها بادعاء ميتافيزيقي يرى بأنَّ الإمكان المطروح هو الإمكانُ المنطقي لا الإمكان الفعلي وحده، وهذا جلي كما في صنيع ألفريد آير، وهذا الادعاء - في الحقيقة - يهدمها من أساسها؛ إذ إنَّ الإمكان المنطقي لا يُوجد له معطى حسي يدعمه وإلا لأصبح إمكانًا فعليًّا.
التطرف الحسي الذي تتبناه الفلسفة الإلحاديَّة مُمثَلًا في الوضعية المنطقية قد تضاءل حجم نفوذه العِلمي، فالفلسفات المادية اللاحقة بعمومها أعطت لنفسها الحق في تجاوز حدود الحس والتجربة عبر استخدامها جوازات السفر الميتافيزيقية، وذلك ماثل عيانًا في تناولها الدؤوب
326