مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
لقضايا الإيمان والإلحاد؛ إذ تسعى الفلسفة الإلحادية إلى إيجاد تفسير شامل للكون، وهذا ما لا يتأتى بطبيعة الحال إلا بتخطي حاجز الحس والوصول إلى منطقة الميتافيزيقا؛ نظرًا للضرورة المنهجية التى يتطلَّبها مبدأُ التَّفسير الشامل للكون؛ بحيث يُقدَّمُ هذا التفسير على مرحلتين: مرحلة الحس ومعطياته أولًا، ثم مرحلة التَّفسير العقلي والنظري أخيرًا. فأصبح الاعتماد على المرحلتين موجودًا في الفلسفة الإلحاديَّة كوجوده - تماما - في الفلسفة الدينية؛ أي إنَّ الفلسفة الإلحادية قد انغمست في الميتافيزيقا من أخمص قدميها إلى قمة رأسها!
إنَّ الإلحاد عندما يُطالب الإيمان بالبرهنة على وجود الله وفق ضوابط المنهج العلمي الطبيعي يرتكب مغالطة منطقيَّةً فجَّةً، فطبيعةُ القضيَّة هي الحَكَم والفيصل في تقرير نوعية الأدلة التي يستند إليها، فلكل مقام مقال، ولكل حادثة حديث، وإذا كانت العلومُ الطَّبيعيَّةُ تقتضي نوعيَّةً من الأدلة تتوافق مع طبيعتها، وتنسجم مع معطياتها، بحيث تنصهر في بوتقة واحدة لتخرج بنتائج مُعتبرة، فإنَّ العلوم الإنسانية تقتضي كذلك نوعيَّةً من الأدلة تتوافق مع طبيعتها، ولا تختلف عن جنسها، ولو قُدِرَ أن تكون لها أدلَّةٌ من غير طبيعتها - كالتجريب واللحظ - لاهتَوَرَتْ هذه العلوم من ساعتها ولأضحت أثرًا بعد عين!
في أحد اللقاءات التي جَمَعَت ريتشارد دوكنز بالجمهور الأسترالي سأله أحدهم: "ما الغاية من وجودنا؟! “ فاعترف دوكنز مباشرةً بأنَّ هذا السُّؤال - وما كان على شاكلته - سؤال فارغ لا معنى له، وأنَّ أيَّ سؤال عن الغاية لا يعنينا. كتجسيد صارخ منه وتطبيق فاضح للوضعية المنطقية ومثل هذه التساؤلات تتكرّر باستمرار والهروب من قبضتها يتم بالإجابة ذاتها التي تجدها عند دوكنز وأضرابه علمًا بأنَّ دوكيز يتناقض مع نفسه هنا؛ إذ زعم في مستهل كتابه (الجينة الأنانية) بأنَّ هذا السؤال الوجودي قد أجاب عنه داروين في نظريته بإجابة منطقية ومتماسكة! فكيف يكون مثل هذا السُّؤال فارغاً ولا يعنينا في الوقت الذي يوصف بأنه سؤال وجودي استطاع العلم أن يجيب عنه بإجابة منطقية ومتماسكة)!!
ولأنَّ الإلحاد الحديث يتمسَّحُ بأحجار العِلم فقد حاول أن يُطبق المنهج العلمي في فلسفته، فابتدع من أجل هذه الغاية (الفلسفة الوضعية المنطقية)؛ ليتعلَّق بأستار العلم ويتجلبب بجلبابه، فأوهم نفسه بأنَّه إلحاد علمي يتماشى مع العِلم ومعطياته الحديثة، ويسير معه على صراط
1 - يُنظر: ريتشارد دوكينز، الجينة الأنانية، ص 9
327