مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٢٨

مناجزة الإلحاد

مستقيم، حتَّى غدا الحالُ بأن يصف بعض الملاحدة الإلحاد بوصف ينطبق تمام المطابقة مع وصف المنهج العلمي، فالإلحاد هو المنهج العلمي والمنهج العلمي هو الإلحاد! وهذا منطق دائري، وهو ممَّا لا يُمكن أن يكون صحيحًا بحال من الأحوال، فالإلحاد لا معنى له؛ لأنَّه ليس قضيَّةً (تحليليَّة) ولا (تركيبيَّة) حسَبَ منطق الفلسفة الوضعية المنطقية نفسه كما أنَّ الإلحاد لا يُمكن البرهنة عليه تجريبيا وفق ضوابط المنهج العلمي الصَّارم، والإنسان تتم إدانته بلسانه، وبمنطقه الذي يتبناه!

لقد باءت بالفشل والانكسار كلُّ تلك المحاولات التي قامت بها الفلسفات الإلحادية لعلمنة الفلسفة؛ لأنَّ طبيعة الفلسفة تأبى أن تكون طبيعية، فاليوم الذي تكون فيه الفلسفة معلمنةً لن يأتي ولن يكون؛ لأنَّ التناقض بين المنهجين يظل قائما، وإنَّ التسامح والتساهل الذي يُبديه الإلحاد في مقارعة الإيمان هو خروج عن الوضعية المنطقيَّة التي ترفض النقاش حول هذه الأمور من الأساس، ومن أجل ذلك فإنَّ هذا التسامح هو بمثابة تنازل عن المبدأ المتبع، وتخاذل عن نُصرة المنهج المُقرَّر، بل هو إعلان صريح بفشل مثل هذه الفلسفات والمناورات والمناكفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع! لا تسمن ولا تغني من جوع! فاللعبُ قد أصبح على المكشوف، والورقة التي تم الرهان عليها ها هي قد أُسقِطَتْ!

إِنَّ فلسفة الإلحاد منهارة قبل أن يُكمل أحد ما تعريفها، فهي تزعم بأنَّ العمليات التحليلية أو القضايا التحليلية قضايا منطقيَّةٌ تَتَّسِمُ بالمعنى والأهميَّة، بيد أنَّ العمليات الرياضية - والتي هي من قبيل القضايا التحليلية - كقولنا: إنَّ (211) هي قضايا لا يُمكن إثباتها أو نفيها على الرَّغم من أنَّ العقلاء يتفقون عليها، وأبسط مثال على ذلك هو محاولة برتراند راسل وألفريد وايتهيد أن يثبتا صحة هذه المعادلة فقط من خلال كتابة مئات الصفحات، علما بأنَّهما لم يحققا الكثير بهذا الصدد!! وهذا يدلُّ على أنَّ مثل هذه القضايا يُمكن أن تكون عرضةً للسفسطة، أو مسرحًا للعبة عقليَّةٍ تتم في القشرة الخارجيَّة للمخ (Cortex) لكن البديهة العقلية تقف سدا منيعًا ضد أي تلاعب بمثل هذه القضايا التي لا يُمكن إثباتها أو نفيها، وكذا قضيَّةُ الوجود الإلهي تقف البديهةُ العقليَّةُ سدا منيعا ضدَّ التَّلاعب بها، مع الاحتفاظ بالفارق الكبير بين القضيتين؛

فالأولى لا يُمكن البرهنة عليها مع الاتفاق على صحتها، بينما الثانية يُمكن البرهنة عليها.

328