مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
وكتساؤل قبل الانقضاض عن مجلس الوضعية المنطقية:
إذا كانت قضايا الأديان قضايا فارغة لا معنى لها ولا تُوصف بالصدق ولا بالكذب حسَبَ الفلسفة الوضعية المنطقية، فلماذا يهاجم الملاحدةُ الأديان ويكذبونها!؟ أليس من المفترض ألا يُشغلوا أنفسهم بها؛ إذ لا معنى لها ولا أهميَّة؟ ثمَّ إِنَّ الإلحاد نفسه أليس هو قضيَّة فارغة لا معنى لها بناءً على الوضعيّة المنطقية نفسها (1)؟!
ولأن الشَّيءَ بالشيء يُذكر
النقاط المهمة
إنَّ الحديث عن فلسفة الإلحاد يجرُّنا هو الآخر إلى الحديث عن مصادر المعرفة وعن النموذج المعرفي، ولا يتَّسعُ المقام هنا لبسط كل ذلك، وإنَّما نكتفي بعرض بعض التي تدخل في صميم النقاش مع الإلحاد والملحدين، ومن بين هذه النقاط: تحديد مصدر المعارف)، فالملحد يزعم بأنَّ التَّجربة هي المصدرُ الوحيد لكل المعارف البشرية، فلا وجود للمعارف العقلية ولا الفطرية.
يُحدثنا الباحث الإسلامي عبدالله العجيري في كتابه (شموع النهار) عن نقاشه مع مجموعةٍ من الشَّباب المتأثرين بالنموذج المعرفي هذا، وكيف أنه بعد أن حدثهم عن مصادر المعرفة البشرية المتمثلة في الحس والعقل والخبر تفاجأ بالاختزال الشَّديد الذي ضرب عليهم بأطنابه، وأرخى عليهم بأستاره! فكان مما قاله لهم: من المبادئ العقليَّة الأولية أنَّ الجزء أصغر من الكل، فإذا كان لدينا برتقالة - مثلاً - وقسمناها إلى أربعة أرباع، فربع البرتقالة أصغر أو أكبر من مجموع البرتقالة؟ صُدِمتُ حينما قالوا: لا نستطيع أن نعرف حتى تشاهد هذه البرتقالة ونقوم بتقطيعها. قلت لهم: لي في المنزل كتاب بعنوان (مجموع فتاوى ابن تيمية) يتألف من (37) مجلدا؛ المجلدُ الأوَّلُ من مجموع الفتاوى أصغر أو مساءٍ أو أكبر من مجموع الكتاب كله وبالمجلدِ الأَوَّلِ؟ فقالوا: لا ندري حتَّى نزورك في البيت ونراه! (2).
إنَّ هذا التنطع وهذه السَّفسطة التي ملكت خطام هؤلاء الشَّباب ما هي إلا نتائج لما ألزموا أنفسهم به من أنَّ التَّجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة؛ لأنَّهم لو لم يعترفوا بذلك لقطعوا حبل منهجهم، وخلعوا رباق نموذجهم المعرفي من حيث لا يُريدون!
1 - للتوسع يُنظر: محمد الخاقاني، نقد المذهب التجريبي، ص (337 - 576).
2 - عبدالله العجيري، شموع النهار، ص (45 - 46).
329