مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠مناجزة الإلحاد
وأقصر طريق لتقويض مبنى مثل هذه السفسطات هو اختبار هذا المنهج بالمنهج نفسه، فالقول بأنَّ التَّجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة أهو قول ثابت بالعقل والفطرة أم بالتجريب؟! فإن كان ثابتًا بالعقل أو الفطرة سقط المنهج بأكمله؛ لأنَّه أقر بوجود مصدر آخر للمعرفة غير التجربة، وإن كان ثابتًا بالتَّجربة فإنَّ هذا الاستدلال يلزم منه الدور الممتنِعُ منطقيًّا (Circular Reasoning) استدلال يعود على أصله بالبطلان - التناقض الذاتي - وكلُّ شيءٍ يعود على أصله بالبطلان
وهو
فهو
بلا نكران، فالتجربة نفسها لا تستطيع إثبات كونها مصدرًا وحيدًا للمعرفة!
ثمَّ إِنَّ التَّجربة لا تقومُ إلا على المبادئ العقلية، فالسَندُ الوحيد لإثبات المادة هو معطيات العقل الأولية، ولولاها لما كان في طاقة الحسّ أن يُثبت لنا وجود المادة وراء الرائحة الذكية واللون الأحمر والطَّعم الخاص للوردة، وبهذا يتَّضحُ جليًّا بأنَّ الحقائق الميتافيزيقية ليست وحدها المبنية على المعطيات العقلية، بل المادَّة نفسُها والحسُّ نفسه كذلك! وإنَّ إصرار الملاحدة على اتخاذ الحس فقط مصدرًا وحيدًا للمعرفة هو إصرار على إرجاع الإنسان إلى الحيوانية في التفكير، والاقتصار على مبدأ المثير والاستجابة الحسي، وصدق من قال: "أن تكون بلا عقل أفضل من أن تُسيء استخدامه! بل إنَّ كثيرًا من الحيوانات تفوقُ الإنسان في قوَّة حواسها، فلماذا لم نر منها إنتاجًا للعلوم وإبداعًا وابتكارًا للأفكار والصناعات إن كان الحش وحده هو مصدر المعارف؟! وهناك قضايا كثيرةٌ نُصدقها ولا يُخالطنا أدنى شك في صحتها مع أنَّه لا يُمكننا إثباتها
الذات
بالتجربة؛ إذ إنَّ طبيعتها لا تقبل ذلك، كالقضايا الرياضية والمنطقية، وكقضية وجود الإنسانية، ووجود عقول للآخرين كعقولنا … إلخ. ودعونا نستظل قليلًا تحت أفياء هذه القضيَّة الأخيرة؛ لنعرف ملابساتها بشكل وجيز: فكيف نعرف أنَّ للآخرين عقولًا كعقولنا؟! ما الذي يجعلنا نثق بوجود عقول لهم؟! إنَّنا لا نعرف بالتجربة إلا وجود عقل لنا وحدنا!
لم يستطع الفلاسفةُ حَسْمَ هذه القضيَّة بدليل قاطع، بالرغم من أننا جميعًا تقر بوجودِ عقول للآخرين! فالاستدلال على وجود عقول للآخرين عن طريق حُجَّةِ التَّشابه بين سلوكي العاقل وسلوك الآخرين يُمكن الاعتراض عليه بأنَّهُ استدلال استقرائي ضعيف؛ لأنه مبنى على الاستنتاج من حالة واحدة فقط وهي حالتي أنا؛ ولذا يقول السير ألفريد آير: "قد نشك في أنا؛
1 - يُنظر: محمد باقر الصدر، فلسفتنا، ص 92.
330