مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٣١المبحث السابع: فلسفة الإلحاد
وجاهة التَّعميم بهذه الطريقة من مثال واحد بل قد نشكُ في إمكان تحقق نتيجة استدلال استقرائي على الإطلاق. فتسليمنا اليقيني بوجود عقول للآخرين لا يتناسب مع هذا الدليل الظَّني والمحتمل، ومن هنا انتقل الفلاسفة إلى دليل السُّلوك، فأنت عندما تعزو الألم لشخص ما تُصدِرُ حُكمًا يُمكن أن يلحظه الآخرون ويتثبتوا منه، إلا أنَّ هذا الاستدلال تمَّ الاعتراض عليه كذلك؛ لأنَّ الإحساس المباشر بالألم مفقود في هذا الاستدلال! ومن أجل ذلك كله اقترح برتراند راسل الاستسلام لهذه القضيَّة والإيمان بها اضطرارًا دون قدرتنا على البرهنة عليها. لقد ربط الفيلسوف الأمريكي الشهير ألفن بلانتنجا بين الاعتقاد بوجود عقول للآخرين والاعتقاد الله، ورأى أنهما يسيران في قارب إبستمولوجي واحد، فإن كان الاعتقاد بأحدهما عقلانيا واضطراريًا فكذلك يكون الاعتقادُ بالثَّاني منهما، ولمَّا اتَّضح أنَّ الاعتقاد بوجود عقول للآخرين صحيح وعقلاني، فإنَّ الاعتقاد فإنَّ الاعتقاد بوجود الله صحيح وعقلاني أيضًا، وقد كَتَبَ بلانتنجا كتابًا كاملًا حول هذه القضية أسماه بـ (الله وعقول الآخرين).
بوجود
كذلك من بين النقاط المهمة: تأطيرُ النَّموذج المعرفي) ()، فالملحد يعيش في عالم مختلف عن العالم الذي يعيش فيه المؤمن، فعالَمُ المؤمن عالم مفتوح لا يقف عند حدود المادة والطبيعة، والإنسان بالنسبة إلى المؤمن هو الخليفة في الأرض، وقد تواصل الإله معه وأبان له الهدف من وجوده، ووضع له الخطة التي يسير عليها في حياته، أمَّا عالم الملحد فعالم مغلق مكتف بذاته، ليس فيه إلا الطبيعة والمادة، وما الإنسانُ إلا جزء من هذه المادة، وما من شيءٍ يقف خلف هذا الكون (3).
إنَّ هذا النموذج المعرفي) الذي يتبناه الملحد يجعله واقعا في مأزق كثيرة؛ لأنَّه سيحاول قدر الإمكان أن يخرج بنتيجة تدعم موقفه المعرفي المسبق وتقصي أي نتيجةٍ تُخالفه مهما كانت قوتها. ولتوضيح الأمر أكثر؛ نذكر بعضًا من تلك المآزق:
1 - يُنظر: مرتضى فرج، أفي الله شك، ص (20 - 26). ملحوظة: للعلامة محمد باقر الصدر في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء)
محاولة معتبرة في تقرير البرهنة على قضية وجود عقول للآخرين كعقولنا).
2 - يُنظر: عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص (274 - 290).
- يقول دوكينز معترفاً بهذا: " فإن كونًا مع خالق مشرف عليه سيكون حتمًا نوعًا مغايرا للكون بدون خالق“. (وهم الإله، ص 57).
331