مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩المبحث الثامن: المستوى الفطري
هل اخترع البشر الألوهية؟!
يعيش بعض البشر متسكّعًا في بيداء الظنون، تائها في شعاب الأوهام، غير أنه يعيش وفي ظنّه أنَّه قد ظفر بعيون الحقائق، ووقع على شواكل الشداد، لكن الحقيقة شيء آخر غير ما ظن، وقد آل إلى ما آل إليه؛ لأنَّه لم يتفحص خارطة الطريق التي بين يديه، ولم يتثبت من صحة إرشاداتها التي أوصلته إلى ما هو فيه؛ فتوهم أنه عند صباحه سيحمد الشرى، وستبتسم
له العقبى
إنَّ من تقوده خارطة المادية لن ينكشف له ستارُ رأيه - في مسألة نشأة فكرة الألوهية - إلا عن نتائج ماديَّة بالتأكيد، ثمَّ تبقى رحى افتراضاته تدور على الدوافع المادية وحدها، وعليه فلن تخرج محصلته النهائية عن إطار القول بأنَّ فكرة الألوهية من وحي اختراعات البشر، دون أن يكون لها أي مدخل فطري أو عقلي وعلى خلاف ذلك كله تأتي وجهة النظر المقابلة؛ لتأخذ على عاتقها جميع شوارد الافتراضات الممكنة دون تصفيدها بأصفاد المادية، لينكشف وجه مأمولها عن فطرية فكرة الألوهية، مع الإقرار بوجود الدوافع المادية في الآن عينه.
إنَّ النَّظرة المادية التي تعزي فكرة الألوهية إلى بُنيَّات أفكار البشر، وإلى ما تنسجه مخيلاتهم وتبتكره تصوراتهم وحيلهم؛ انقسمت على نفسها وذهب الخلاف بينها كل مذهب في تقرير فرضياتها وتبرير مواقفها، ويُمكنُ الإلماعُ إلى أشهر تلك التقريرات على النحو الآتي: (1) - الفضول والجهل.
وهي الفرضيَّةُ التي تبناها الفيلسوف الفرنسي الشهير أوغست كونت؛ حيث يفترض كونت جزافًا بأنَّ فضول الإنسان وجهله بأسباب الظواهر الطبيعية التي يُشاهدها أمامه اقتاداه إلى اختلاق فكرة الألوهية؛ لتقوم مقامَ الأسباب الطبيعية التي يجهلها.
هذا الافتراض تتفشى فيه علامات التكهن والتَّخرُّص وبالإمكان إظهارها تحت أشعة المسح الكاشفة على النحو الآتي:
339