مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٤٢مناجزة الإلحاد
أنَّ الفرضية
(5) - ما المانع من أن نفترض كذلك أنَّ الخوف لم يُنشئ فكرة الألوهية من تلقاء نفسه، بل قام بتحفيزها وإثارتها؛ لكونها فكرةً كامنة في أعماق النفس البشرية وهذا يعني أ كسابقتها تضع أقدامها في أوحال المغالطة المنطقيَّة (حَدَثَ بعده، إذن؛ هو سببه) فالخوف قد يكون له ارتباط ما بفكرة وجود الله لكن هذا لا يجعله محراب العِلل وكعبة الأسباب. (1) - لو أنَّ فكرةُ الأُلوهيَّة كانت وليدة الخوف لكان الأوفق أن نرى المتدينين أشدَّ النَّاسِ جبنًا وأكثرهم خوفًا وهلعا وهذا ما لا يُسعفه الواقع؛ إذ إنَّنا نرى المتدينين عبر العصور المختلفة - خصوصا في بدايات الرسالات السَّماوية - هم أشجعُ النَّاس وأشدهم بأسًا وشكيمةً مع عَوَزهم وقلة عددهم وعدتهم في حالات كثيرة!
(7) - الخوف موجود لدى الحيوانات الأخرى، فإذا كان سببًا حقيقيا وكافيا لنشوء فكرة الألوهية دون مستند منطقي أو عقلي، أو دون توجه فطري ووجداني مُسبق، لرأينا الحيوانات في دور العبادة! (8) - على فرض أنَّ الخوف هو الدافع لنشوء فكرة الألوهية - وهو دافع هزيل بمقاييسنا فهل يلزم من تهافتِ الدَّافع تهافتُ نتائجه؟! إِنَّ النّتائج يجب أن تُقاس بمقاييس العقل والمنطق؛ إذ لا تلازم بين الدافع ونتيجته فمثلا: قد يكون صوت ضرب المطارق دافعا متهافتا لكنَّه أدى إلى اكتشاف علم عظيم وهو عِلم العروض، وقد يكون سقوط التفاحة شيئًا عابرًا ومعتادًا لكنَّه أدى إلى معرفة قانون الجاذبية)، بل إنَّ الخوف والحاجة والفضول هي من أكبر الدوافع التي قادت البشرية إلى الاختراع والابتكار والاكتشاف (العلوم)! (9) - يُفهم من هذه الفرضية - في المقابل - أنَّ انعدام الخوف هو الدافع لنشوء الإلحاد، فهل حقًا وصلت البشريَّة إلى هذا؛ لتتَّجه إلى الإلحاد؟! بل إنَّ الإلحاد نفسه - كفرضية من الصنف ذاته - اخترعه البشر لما عجزوا عن تفسير ما يرونه في الطَّبيعة من مظاهر الشر، أو لنقل: اخترعوه ساعةَ انبهارهم بالطبيعة وانشداههم بها.
(3) - فرضية الاستغلال والتخدير.
ولها عرضان متناقضان، فكارل ماركس يزعم بأنَّ نشوء فكرة الألوهية والتَّدين كان بدافع من الأغنياء (الأقوياء) لتخدير الفقراء (الضُّعفاء) وإسكاتهم باسم الإله والدين، بينما يزعم نيتشه
1 - بالنسبة إلى قصتي اكتشاف علم العروض والجاذبية، هناك شكوك في صحتهما التاريخية، ليس هنا موضع تفصيلها.
342