مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

المبحث الثامن: المستوى الفطري

الحقيقة

التي صموا آذانهم عنها

لا شيء يدعو إلى التشكيك بوجود عوامل الخوف والفضول والجهل التي سيطرت على حياة الإنسان البدائي بصورة أو بأخرى، بل إنَّ هذا أمر متقرر عند الأنثروبولوجيين، لكن ما لا ينبغي القبول به هو أن يكون مفهوم الألوهية ناتجا بالحصر عنها، "فسائر تلك الحالات التي مرَّ بها الإنسانُ الأوَّلُ تعجز عن أن تقود فكره نحو المبدأ الأوَّلِ إن لم يكن واعيًا ومدركًا لحقائق العِليَّة والسببية، فلو لم يكن لديه إدراك يقيني عميق بأنَّ الحوادث برمتها تحتاج إلى مُحدِثٍ لها لما أمكنه على الإطلاق أن يسأل: (مَن خَلَقَ هذا العالم؟! عندما رفع عينيه نحو الأعلى فشاهد بروج السَّماء وكواكبها، ولما سأل أساسًا عما وراء الأنظمة والقوانين التي تحكم هذا الكونَ وتفسخ عزائمه كلَّما صمَّم! وعندما داهمهُ الخوفُ الشَّديد من الفناء فإنَّ وعيه العميق بأصل العِليَّة والسَّببيَّة جعله يثق تمامًا بأنَّ لشعوره وخوفه ما يُبررهما فعلًا، وأنَّ لهما عِلَّةً و سببًا أوجداهما. نُطالبك - أيُّها القارئ - بمزيد من التَّأمل حتَّى تقف متيقنا من أنَّه وبغياب ذلك الوعي القوي بالعِليَّة لاستحال الاعتقادُ بالسَّببيَّة، وإذا ما زال هذا الاعتقادُ فَإِنَّ التَّوصُّل إلى مبدأ الكون وأصله وسببه - بل ومجرد التساؤل عنه - يكون ممتنعا بالمرة!! إذا كان ثمة يُحتم قبول التأليه ويتوافق وجوده في ذلك الزمن الأسطوري للإنسان الأوَّل فهو الوعي بالحقائق العقليَّة الثَّابتة التي تتمثل في الكيان المعرفي البسيط، والذي يُطلق عليه: (البدهيات). فمبدأ استحالة اجتماع النقيضين ما برح عقلية البشر منذ نعومة أظفارهم، وإلا لما أمكن وضعُ أوَّلِ حجر في البناء المعرفي للبشرية وصرحها العلمي الشامخ؛ إذ مقتضى قبول ذلك المبدأ رفع اليد عن كل حقيقة علمية ثابتة؛ ذلك لأنَّ نقيضها سيصبح موردًا للقبول أيضًا، ومبدأ العلية واحد من تلك القوانين البدهية التي لازمت البشر منذ أبعد أوقات الدهر السحيق، ولولاها لما بحث البشر عن سببٍ لأي حادثة تقع؛ إذ لا مبرر للقول بوجود سبب ومبدأ لها بغياب الاعتقاد بالعِليَّة! يستبين - بجلاء - أنَّ الجهل لا يصلح لأن يكون جسرًا يُوصل الفكر من التَّأمل في الكون إلى التَّساؤل عن مبدأ الكون؛ لأنَّه لا يصلح أساسًا أن يؤدي إلى انبثاق سؤال عن التكوين ومصدره،

عِلم

345