مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٤٦مناجزة الإلحاد
ففي مورده ثمة جهل، فكيف سينتج علمًا؟! وما الاعتقاد بمبدأ التكوين إلا علم بقبول الكون للتكوين، بينما تستطيعُ العِليَّةُ أن تفي بذلك، والذي يُوقظها من سُباتها هو دقات الحدوث وأنينُ النقص والافتقار!! في البدء أدرَكَ الإنسانُ وجوده ووجود العالم من حوله، ولم يشك - لحظةً - في واقعية وجوده ووجود العالم من حوله؛ لذا تعامل معه منذ اللحظة الأولى بمنتهى الجدية وبذلك يكون قد مارس أوَّلَ تطبيق لرفض مبدأ قبول اجتماع النقيضين والإيمان بالعِليَّة، إذ يجب عليه الوثوق بأنَّ إدراكه لذاته وللعالم من حوله مصدره أمر ما وواقع حقيقي، ثم تنازعت فيه قوى نفسيَّة مختلفة من خوف ورعب تجاه العالم الذي يُحيط به والبيئة التي تُهدّد وجوده، ومن نزعة حُبّ البقاء و الاستمرار التي تملكته، إلا أنَّه ما سمح لعقدة الخوف أن تشُلَّه، بل طرق كل الأبواب التي يستطيع من خلالها مد نفوذه وضمان بقائه. ولأنَّه تنبه منذ أُولى لحظات حياته للعليَّة، وأنَّ لكل حادث موجِدًا، بدليل إيمانه أنَّ وراء إدراكه عالم وواقع فعلا وهو مصدر كل تلك التصورات، وبدليل بحثه عن أسباب ضمان بقائه وعِلَلِ فنائه وزواله، ساقه انتباهه ذاك بأصل العليَّة إلى أن يتساءل إن كان ثمَّة موجد لهذا الكون وما فيه؟! وكان تساؤله هذا ضمن المسار الذي تقتضيه العِليَّة؛ إذ شاهد الحوادث المستجدَّةَ على صفحة الكون وفي صميم الطبيعة، فثار سؤاله بكل وعي وإدراك، ومهما عصف به من جهل فإِنَّ التَّساؤل عن مبدأ الخلق سيظل موردًا للصدور فحسب ما دام هناك وعي بأصول العقل النظري الكامن في بدهياته،
ولولاه لتعذَّرَ صدورُ أي تساؤل؛ لأنَّه يتعذَّرُ عندها ولادة عقل).
1 - محمد رضا اللواتي برهان الصديقين، ص (40 - 50)، بتصرف“.
346