مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣المبحث الثامن: المستوى الفطري
لا يمكن المطالبة بالبينة عليه، كإبريق راسل على سبيل المثال فقد يعترض أحدهم باستحضار قاعدة (الأصل في الأشياء عدم الوجود إلا بدليل). لكن هذا الاعتراض يجب أن يُقدِّمه من لا يدعي ادعاء بحجم إنكار الصَّانع، فهو اعتراض يتناسب مع منهجية من لا ينكر وجوده ولا يُثبته بل يترك الأمر على حاله ريثما تأتيه البراهين والأدلة.
إنَّ النَّافي مطالب بالبينة؛ إذ لو كان النَّافي مقدَّما لكونه نافيًا فإِنَّ المُثبت في استطاعته أن يُثبت ما يُريده عن طريق النَّفي لا الإثبات كأن يقول: "فلان ليس بصادق“. بدل أن يقول: "فلان كاذب". ليصبح بذلك نافيًا لا مُثبتًا، وعليه فهو غير مطالب بالبينة كذلك، لذا نقول إنَّ النَّفي - في حقيقته - دعوى بخلاف عدم الحسم والترجيح!
إذن؛ وبناءً على هذا الطرح يكون تقرير الأمر على النحو الآتي:
(المثبت) = مدَّع + تلزمه البينة.
(المُنكر) = مدَّع + تلزمه البينة.
-
(الواقف) = غير مدع + لا تلزمه البينة.
وقبل مواصلة السير نعود على بدء إلى إبريق راسل لننته إلى مغالطته التي وقع فيها؛ حيث قاس وجود الله بوجود إبريق معلق بين الأرض والمريخ!! هذا القياس الذي أدلى به برتراند راسل يعاني من مشكلاتٍ منطقيَّةٍ كثيرة، ومن الواضح بأنّه قياس لم ينل حظه من الثثبت، ولم تتوله رويَّةً صادقة، وهو بهذا بعيد كل البعد عن مرامي الشداد، وينكشف الأمر أكثر بالإشكالات الآتية: (1) - إنَّ قياس وجود إبريق معلّق بين الأرض والمريخ على وجود الإله الخالق يقع في مشكلة (قياس التَّمثيل) أو (قياس الشَّاهد على الغائب وهو القياس نفسه الذي يُنكره برتراند راسل في برهاني الحدوث والنظم - كما سيأتي لاحقًا - فيا لها من أقوال متدافعة، واعتراضات متخاذلة متناقضة، يضرب بعضها في صدر بعض!
(2) - هناك فارق كبير بين الوجود الضروري والوجود غير الضروري، فليس افتراض وجود
2:
1 - يقول الله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة: 111). فمع أنهم ينفون دخول غيرهم الجنَّةَ فإنَّ الله تعالى طالبهم بالبرهان على نفيهم، وهذا يختلف عما يُسمى بـ (البرهنة على النَّفي)، فالنَّفي الذي يُحمل على الشَّك وعدم الترجيح يختلف عن النَّفي الذي يُحمل على الترجيح، فترجيح النفي يحتاج إلى مُرجح، وعدم الترجيح يُحمل على الأصل وهو عدم وجود الشيء حتى يثبت وجوده.
353