مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٥٥المبحث الثامن: المستوى الفطري
3 - الاستدلال على صدق أحدهما أو بطلانه.
4 - تطبيق قاعدة عدم اجتماع النقيضين).
إذن؛ يجب التَّمييز بين المتناقضين، فالوجود والعدم متناقضان، فإمَّا العدم وإمَّا الوجود ولا ثالث بينهما، وهذا ما يُعرف في المنطق بـ (الوسط الممتنع)، أمَّا التَّوقُفُ عن الجزم فهو مجرد منهج نظري لا يمنح الشَّيء وجودًا ولا عدمًا في الحقيقة، وإذا اتَّضح لنا هذا الأمرُ وبانَ فَإِنَّ دلالته الجدلية تُصبح دلالةً قاهرة على أنَّ عدم القدرة على إثبات العدم يُسقط (دعوى) العدم، فلا تبقى على المسرح إلا (دعوى) الوجود، وهذا بالتأكيد ليس من باب مغالطة التوسل بالمجهول كما ظنَّ بعض المفكرين والباحثين، بل هو من باب البرهان الشلبي أو ما يُسمى بـ (برهان الخلف) أو (البرهان المؤدي إلى المحال فسقوط أحد المتناقضين كفيل بثبوت الآخر؛ لأنَّ المتناقضين لا يرتفعان معا ولا يجتمعان معا أمَّا مَن لم يدَّع في المسألة بشيءٍ - لا وجودًا ولا
عدما - وإنَّما طالب بالبرهان فقط فهو مَن يحق له أن يقول: أنتم تتوسلون بالمجهول هنا). كذلك يُقال للملحد: إنَّ وجودَ الله إن لم يكن واجبًا فإنَّه إما أن يكون مستحيلًا، وإما أن يكون مُمكِنًا، فإنَّ كان مستحيلاً وجَبَ تقديم دليل على استحالته، وإن كان ممكنًا وجَبَ تقديمُ دليل على نفيكم لوجوده الممكن كما يجب على المؤمن تقديم دليل على إثبات وجوده الممكن؛
لأنَّ الممكن يتساوى فيه الوجود والعدم، فترجيح أحدهما على الآخر لا يكون إلا بمُرجح.
نحن نعلم بأنَّ (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وطوال التاريخ البشري كانت البشريَّةُ عمومًا مؤمنةً بوجود الإله الخالق، فالأصل هو بقاء ما كان على ما كان ()، ومن أراد أن ينزع عن هذا الأصل أصالته ويقدح في عرض رصانته فهو المطالب بالبينة؛ إذ إنَّه هو (المدعي)، بل إننا
نقول بكل ثقة وجسارة أنَّ المُثبت مُقدَّم على النافي لزيادة في علمه قد يجهلها النافي.
1 - يجب التركيز مليًّا على هذه الفقرة، فقد وقع بعضُ الباحثين والمفكرين من المؤمنين في شراك دعوى الملاحدة، واعتقدوا معهم بصحة زعمهم في أنَّ المؤمنين - حينما يُطالبون الملحد بإقامة بينته على دعواه بعدم وجود إله - يُمارسون مغالطة (التَّوسل بالمجهول)، وهذا ليس بشيء كـ ء كما قلنا أعلاه. ويخلط بعضهم أيضًا بين قاعدة بطلان الدليل لا يدلُّ على بطلان المدلول) والبرهان السلبي المذكور أعلاه، وهذا خطأ؛ لأنَّ القاعدة الأولى تصدق فيما لو كانت هنالك أدلة معتبرة غير الدليل الذي تم إبطاله، بينما البرهان السلبي يصدق فيما لو سقطت جميع أدلة الطرف الآخر. وفيما لو قيل باحتمال ظهور أدلة أخرى في المستقبل فإنَّ الإجابة على ذلك ستكون بالتنبيه على وقوع القائل بهذا القول فيما كان يُشنّع به على الآخر، ألا وهو وقوعه في مغالطة (التوسل بالجهل). 2 - إنَّ الأصل هو الإيمان عبر: تاريخ البشرية، وما إنكار وجود الله إلا شذوذ عن هذا الأصل، والشَّاذُ مطالب بالبينة على دعوى شذوذه، ومطالب بالبينة على مخالفته للأصل المقرر أنثروبولوجيا.
355