مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٥٦

مناجزة الإلحاد

ولكن قبلنا الرهان ....

بالتنازل عن الطرح الأول - فيما مرَّ بيانه - واحتكامًا إلى الطَّرح الثاني فإنَّ موقف الإيمان لا ينبني على الحجج السلبية فقط (الاعتراضات)، فهو بجانب ذلك يمتلك ترسانة ضخمة من البراهين والحجج الإيجابية، وكما يقول العارفون: "إن لله طُرُقًا بعدد أنفاس الخلائق“. وفي المقابل فإنَّ الإلحاد لا يحمل في حقيبته سوى الاحتجاجات السلبية (اعتراضاتٍ عَرَضيَّة)؛ ومن أجل ذلك فإنَّنا سنشد الحيازيم ونرهف غِرَارَ العزم لتقديم ما يُمكن تقديمه من براهين وحجج وشواهد على وجود دون السَّعي إلى حصرها، فإنَّ الحصر كؤود المطلب، لم يلتمسه

أحد قط!

الله،

وقبول الرهان في مثل هذه القضيَّة التي نزعم بأنَّها فِطْريَّة وأنَّها حق مطلق لا يعني الانهزام بحال من الأحوال، ولا يعني أنَّ القضيَّةَ غير يقينية؛ لأنَّ كلَّ الحقائق يمكن أن تُغطيها الأهواء، وتُتَلتِلُها السَّفسطاتُ، وتُرجرِجُها المماحكات)، فلئن وصل الأمر ببعضهم إلى نسف مبادئ العقول والتشكيك فيها فأي شيء بعد هذا إلا الضَّلال؟! وإلى ماذا سيحتكم

ريتشارد سوينبرن هؤلاء؟! وفيما يخص قضيَّةَ البراهين الدالة على وجود الله فإنَّ هناك

اقتراحا وضعه فيلسوفُ اللَّاهوت الشهير ريتشارد سوينبرن (Swinburne)(2) مفاده: إنَّ البراهين في قضية إثبات وجود الله يجب أن يُنظر إلى مجموعها لا إلى أفرادها؛ أي إنَّه يُحيلنا إلى النظر في هذه البراهين على اعتبارها نسقًا جشطالتيا لا ينبغي تفرقته وتجزئته. ومبنى اقتراحه هذا يقوم على ما يراه سوينبرن من أنَّ جميع البراهين قد تلقت قائمة من الاعتراضات في أفرادها، لكن مجموعها ككلّ يقف شامخًا أمام سيل تلك الاعتراضات (3)، ونحن في الحقيقة وإن كنا نرى بأنَّ مجموع هذه البراهين يُشكّل نسقًا متكاملا يتنزّه عن شوائب الظَّن، ويتجافى عن مضاجع القلق،

1 - ومن هنا يتضح الهدف من البحث والنقاش، فالسفسطة والأخذ بالاحتمالات المرجوحة وكثرة الجدل من أجل الجدل والاعتراض من أجل الاعتراض، كلها دلائل تُؤكد عدم الصدق مع النَّفس وعدم الرغبة في الوصول إلى الحقيقة من بابها الرئيس، وكما قيل فما من طريق باطل إلا وقد سلكه بعضُ النَّاس. 2 - فيلسوف بريطاني من مواليد (1934 م) وهو أستاذ فخري للفلسفة في جامعة أكسفورد، له عدة مؤلفات؛ لعل أهمها: (مفهوم المعجزة)، و (وجود الله)، و (الإيمان والعقل).

3 - فكرة سوينبرن هذه مطروحة أيضًا في الفلسفة الإسلامية كما هو الحال في كُتُب كل من محمد حسين الطباطبائي، ومرتضى المطهري، ومحمد تقي المصباح اليزدي، وآخرين.

356