مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٥٧

المبحث الثامن: المستوى الفطري

ولا يمكن فضُ لحمته مطلقًا، فإنَّنا مع ذلك نُؤكِّدُ بأنَّ النسبيَّة المنهجية التي خيمت على عقول الكثيرين هي التي جعلت البراهين الساطعة المتأرّجة تتقلَّبُ على سفافيد الشك والحيرة، وليس مرجع هذا عائدًا إلى البراهين نفسها بقدر ما هو عائد إلى هذه النسبية المنهجية التي كانت نتاج تراكمات تاريخية تعود في مجملها إلى الخلل في التَّأسيس الحقيقي لمصادر المعرفة وقيمتها. وسيتضح لنا لاحقًا أنَّ البراهين في حقيقتها تُبرهن على أمر معين دون أمر آخر، فعلى سبيل المثال: نجد أنَّ بُرهان النظم - سيأتي بيانه لاحقًا - يُبرهن على وجود المصمّم أو المنظم، لكنَّهُ لا يُبرهن على وجود الله بكل صفاته، وهذا لا يعني أنَّ بُرهان النظم - وأمثاله من البراهين - لا يُنظر إليه إلا بمؤخرة الأعين؛ باعتبار أنَّه لا تقوم له قائمةٌ إلا بوجود براهين أخرى تُسانده! كما أنَّ هذا لا يعني ضعف البرهان فيما لو تم إفراده وعزله عن سلسلة البراهين الأخرى، بل على النقيض من ذلك، فإنَّ البرهنة تكون على جانب من جوانب القضيَّة، وهو جانب يفي بالغرض الذي أقيم البرهان من أجله، فمثل هذه البراهين تُبرهن على قضيَّة وجود الخالق وبعض صفاته الكُليَّة أكثر من برهنتها على صفاته وخصائصه التَّفصيلية، والتي تطلب من الدين ونصوصه.

357