مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٦٣

المبحث الثامن: المستوى الفطري

ما هي الفطرة؟

الفطرة في أوسع معانيها: الاستعدادات والميول والغرائز والحاجات الموجودة في الإنسان من يوم ولادته، دون أن يكون لبشر يد في إيجادها. أو هي: الاستعدادات المغروسة في بنية الإنسان، والتي تتيح له التمييز بين الخطأ والصواب، سواء أقام بتفعيلها أو لم يقم. أو هي القوة المودعة في الإنسان، والتي تجعله متقبلا لمعنى دون آخر - أو مضطرًا إليه - ما لم تُؤثر عليه مؤثرات خارجية. والفطرة على العموم هي المصطلح الديني الذي يُعبر عنه بالطبيعة أو الغريزة. وفيما يتعلق بمعرفة الله، فإنَّها تتأتى مبدئيًا بدون وساطة أو تدخل من المفاهيم والتصورات العقلية؛ أي إنَّها معرفةً فِطريَّةً حُضوريَّةٌ غير مكتسبة بالتعلم، كما أنها تتأتى - أيضًا - بوساطة المفاهيم العقليَّة؛ أي إنَّها معرفةً حصوليَّةٌ مكتسبة. ويمكن القول بأن وجود الإله الخالق هو معرفةً حضوريَّةٌ قبل أن تكون معرفةً حصولية، بينما معرفة الصفات التفصيلية للإله هي معرفة حصولية، وكلتا المعرفتين تتداخلان حضوريًّا وحصوليا من بعض الوجوه، وكما قيل: فـ"ما من علم حصولي إلا وهو مسبوق بعلم حضوري“.

إنَّ معرفة الله تكون فطريَّةً حُضوريَّةً حيث "إِنَّ الإنسان خُلق وقد غُرست في أعماق قلبه رابطةٌ وجوديَّةٌ بالله، فإذا فتّش فى جنبات قلبه والتفتَ بجةٍ إلى أعماقه فإنَّه سيجد تلك الرابطة الوجوديَّة، لا أنَّه يعلم أنَّ الله موجود بل هو يُدرك علاقته بالله مباشرة؛ أي إنَّه يرى ويُشاهد ويجد ذلك (2)، كما تكون هذه المعرفة الفطرية حصوليَّةً من حيث سهولة إدراكها، ودون بذل كبير سعي وجهد لتحصيل العلم بها، فهي معلومات بدهيَّةٌ أو قريبةً من البداهة). فالطفل عندما يحتك بالموجودات يسأل مباشرةً عن خالقها وهو ما زال متعثرًا في كلماته، فكثيرًا ما يُوجّه 1 - ملحوظة: يكون الاحتجاج بالفطرة مغالطة منطقية عندما تُعامل بعض الأمور غير الفطرية - كالأمور الثقافية المبنية على العقل الجمعي - على أساس أنَّها أمور فطريَّة، أو عندما يُستدل بها نظريا من غير استدلال مسبق عليها.

2 - بالرغم من عدم وجود اختلاف في الأمور الفطرية فإنَّ النَّاس قد يغفلون عن ذلك ويظنون أنَّهم مختلفون ما لم يُنبههم أحد إلى ذلك فيدركون ساعتها أنَّهم كانوا متفقين رغم اختلافهم الظاهر، ولذلك يقول الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30). (يُنظر: كمال الحيدري،

فلسفة الدين، ص 90).

- محمد تقي المصباح، معارف القرآن، (1/ 39 - 40)، بتصرف“.

363