مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٦٤مناجزة الإلحاد
الأطفال مثل هذه التساؤلات إلى آبائهم وأمهاتهم، فهم يُدركون بفطرتهم أنَّ لكل صنعةٍ صانعا، وأنَّ إدراكهم هذا لهو من أظهر البدهيات، وأبلج الدلالات.
الله
الإنسان القديم قبل أن يتدرّع بأي درع فلسفي ميتافيزيقي، وقبل أن يستند إلى أي خبرٍ سماوي "لم يبحث عن بل وجده معه، وهو لم يُعبر عن وجوده بالمنطق ولا بالميتافيزياء، ولا باليقين أو الشَّك، بل لفظ اسمه ببساطة لفظه لكلمة (نفس) التي فيها فكره ومشاعره ورغباته، دون أن يُحدد أيا منها". وصدق أحد العارفين حينما قال: "بحثتُ عن الله في كل
(1)
-
مكان فاكتشفته في نفسي فالفطرة الطَّبيعة المجرَّدة عن كل المؤثرات الخارجيَّة والإشكالات العلمية والفلسفية والمجريات الاجتماعية والأهواء النَّفسيَّة ونحوها، فالنَّاس - مثلًا - لا يختلفون في رفض الظلم كمبدأ فطري وإن اختلفوا في بعض التطبيقات، فإن كان فيهم من لا يرفض الظلم فلا شك من وجود مؤثراتٍ خارجيَّةٍ طمست فطرته السَّويَّة، وهكذا الحال فى قضية وجود الله كمبدأ فطري، فإنَّه بمجرد استنطاق النَّفس والعقل لا يجد الإنسانُ مَخرجًا من الاعتقاد بوجود الله، بينما يجد مشقَّةً وعنتا وصدامًا مع فطرته وبنيته العقلية عندما يُنكر وجوده، ويُحاول بكل ما أوتي من مكرٍ ودهاءٍ أنْ يُضفي على إنكاره هذا طابع العِلم والمنطق، مع أنَّه مفطور على تقبل وجود) الله بكل سلاسة وانقياد ومفطور على رفض تصور عدمه! إذا كان الجسم البشري "محتاجًا لمأوى يأوي إليه ليتقي فيه أفاعيل الطبيعة المحيطة به، وغوائل الأعراض التي تكتنفه من سائر جهاته، فليست الأحاسيس المعنوية والعواطف القلبية بأقل احتياجًا من ذلك الجسم لموئل تعتصم فيه ما يتجاذبها من عوامل الشعور الذي غرس فيه بحكم الفطرة الأصلية، ليس الإنسان كالحيوان يقتنع بما يسد حاجيات جثمانه من مأكل ومشرب، ولا يبالي بعد ذلك بما يسوقه إليه القدرُ في غده أو بعد غده، كلا؛ بل للإنسان مطالب روحانية لا يقل حنين إحساساته عليها وشغف أمياله بها عما يُصيبه من فقد مطالبه المادية، بل ربما دقّ الشُّعور في بعض الكاملين من هذا النوع الإنساني فآثر الوصول إلى مشتهيات روحه على كل مطلب جثماني أيا كان نوعه، بل لا يخلو واحد منا من شعورٍ - حينًا من الأحيان - بحالة يود فيها لو نال راحته الضَّميريَّة التَّامَّة ولو جرَّده ذلك من كل ما لديه من بهرج الدنيا
1 - هاني يحيى نصري، نقض الإلحاد، ص 77.
364