مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٦٥المبحث الثامن: المستوى الفطري
وزينتها المموهة. أما ألم بك شعور ما في حين من أحيان حياتك بعثك للنظر في نفسك ومصيرها وفي دنياك وأحوالها وفيما يُحيط بك من الكائنات على اختلاف أنواعها وأجناسها فتولَّد فيك إحساس سام لم يكن فيك من قبل؟! إحساس أراك رأي العين أن ليس لك في هذا الكون المحسوس مقنع تقف عنده ولا موئل تعتصم فيه من مهددات هذه الحياة القصيرة؟! إحساس سماوي ليس من طبيعة هذه الجِبلة الحيوانية صغر لك الوجود على ضخامة أجزائه، وحقَّرَ لك هذا الملكوت الأرضي على كبر أبعاده، وشخَصَ لك مخاوفه ومعاطبه تشخيصا دفعك إلى تلمس المخلص منه والمحيص عنه؟! دع سماسرة المادة جانبًا، واطرح أقوال مروجة الزخارف، وارجع لنفسك لحظة من لحظات حياتك العزيزة، واستفت هذا الفؤاد المرتجف بين جنبيك واستنبئ ما يتنازعه من إحساساتٍ ومشاعر، ثم تعال فقل لي إلى أي مدى وقفت بك مراميك الداخلية وفي أي نقطةٍ من هذا المحتد الطَّيني سكن اضطراب فؤادك الولهان؟! نعم؛ للإنسان في لحظات راحته وسكونه مسارح فكريَّةٌ في أمثال هذه المرامي الشامية التي هي من مميزات الرُّوح الإنسانية، وليس فؤاد الجاهل بأقل شعورًا بها من فؤاد العالم، وليست هي في مكان وزمانٍ أشد منها في زمان ومكانٍ آخرين، تدلُّ على ذلك أشعار الأمم وأغانيهم منذ القدم، فإنَّها تترجم عن مثل هذا الشعور السَّامي وتُرينا أنَّه فطري فينا، وأنَّ دون انتزاعه منا نزع الفؤاد من بين الجوانح إذن؛ ماذا يعمل الانسان وهو في تلك الحالة الحرجة والموقف الصعب؟! بأي ركن يعتصم؟! وإلى أي ملاذ يلوذ؟! ليس أمامه إلا التَّرامي بين يدي تلك القوَّة الأزلية التي أخرجته من العدم، تلك القوَّة التي وهبت الإنسان هذا الفكر الطموح، والعقل الجموح؛ لحكمة بالغة ومقصدِ عظيم. إذا ألقى الإنسان نفسه بين يدي هذه القوة ثلج صدره واطمأن على نفسه لتحققه أنَّ هناك قوَّةً معتنيةً به ومهيمنةً عليه، ولو فقد الإنسان الثقة بهذه
القوة فكيف تدخل نفسه طمأنينة؟!» (1).
1 - محمد فريد وجدي الحديقة الفكرية، ص (6) - (9)، بتصرف.
365