مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٦٨

مناجزة الإلحاد

الماء، والشعور المتكرر بالجوع يؤكد حقيقة وجود الشَّيء الذي يلبي هذه الحاجة، وهو الطعام، والشعور المتكرر بالحاجة إلى (الإله) يؤكد حقيقة وجود الشيء الذي يُلبي هذه الحاجة، وهو (الإله)، وهكذا في بقية الأمور الفطريَّة الأُخرى.

يقول ديفيد هيوم في كتابه (محاورات في الدين الطبيعي) على لسان (فيلون) الذي يُمثل قلَقَه الشَّكي الشَّخصي: "ليس هناك من هو أشدُّ مني إحساسًا بالدين المنطبع في نفسي، أو أشدُّ تعلقا بالموجود الإلهي كما ينكشف للعقل بين ابتداع الطَّبيعة وصناعتها الذين من الصعب تفسيرهما» (1). فتفسير وجود هذه المشاعر الدينية - وإن أمكن توصيفها توصيفا طبيعيًا - لا يكون خاضعا للعِلم التجريبي، وقد صرّح أينشتاين بأنها من القضايا التي لا دخل للعلم الطبيعي بها؛ لأنَّها ليست من اختصاصه.

لقد قدَّمَ الفيلسوف الإنجليزي الكبير ولتر ستيس في كتابه (التصوف والفلسفة) حجَّةً استقرائية لا بأس بها؛ إذ تحدث عن إجراء عددٍ كبير من التجارب على أُناس مروا بحالات روحيَّةٍ صوفيَّةٍ شعروا في خلالها بوجود الإله المتعالي ()، وخلصت هذه التجارب إلى وجود هذا الافتقار الوجداني بصورة عامة ومطردة على الرَّغم من اختلاف هؤلاء الناس في الزمان والمكان والدين والعقيدة، وهذا يُؤكد فطريَّة الأمر وتساويه في طبائع البشر على حدٍ سواء. إنَّ التَّجارب الدينية المختلفة تُؤكد وجود حالة الظَّمأ الداخلي العميق الناتج عن الافتقار الوجداني للإله، وهذه التجارب لها ثلاثة تفسيرات:

الأول: أنَّها ليست تجارب عقليَّةً أو معرفيَّة، بل تجارب شعورية ترتبط بمصدر كلي متميز عن العالم، إنَّها تصديق ذاتي وطبيعة حدسيَّةً لا تتوسطها المفاهيم والأفكار والاعتقادات والممارسات، ولكن لا يُمكن وصفها بالشعورية المحضة.

هذا الشعور يحصل بأشكال عِدَّة، فقد يكون متدفقا مثل تيار لطيف يتخلل العقل بمزاج هادئ ذي مقام أعمق، وقد يكون موقفاً ثابتًا ومستمرا في النفس، كأنه اهتزاز واهتياج مثير، وقد يبرز للعيان في شكل ثوران مفاجئ من أعماق النفس.

الثَّاني: أنها تجارب إدراكيَّة، وتكون موجودةً في خبرتنا الحسيَّة الطَّبيعية، فهناك اتفاق عام

1 - ديفيد هيوم، محاورات في الدين الطبيعي، ص (140 - 141).

2 - يُنظر: ولتر ستيس، التصوف والفلسفة، ص (56 - 57). علمًا بأنَّه لا توجد حاجة لتدعيم فطرية وجود الله بمثل هذه التجارب.

368