مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٦٩المبحث الثامن: المستوى الفطري
على أنَّ الموضوعات ذاتها تحضر لنا بطُرُقِ تُمكننا من معرفتها. وعلى نحو مشابه في التجربة الدينية حيث يذكر الله نفسه بطرق تُمكننا من معرفته ومعرفة صفاته وأفعاله.
الثَّالث: أنَّها تجارب شخصيَّةً متعالية، يكون التسليم بها عن طريق الذين يعتقدون بأنَّ
التَّفسير الطبيعي لها غير كاف، وأنَّها يُمكن أن تُفسَّر فقط عن طريق الاعتقادات الدينية). ولكن لقائل أن يقول: ما الدليل على أنَّ الافتقار الوجداني للشَّيء يعني وجود ما يُغنيه ويسدُّ فقره في الواقع الخارجي؟! أليس من المحتمل ألا يكون لهذا الافتقار ما يسده في الواقع الخارجي؟! والجواب: لا. فالميول والرغبات المُلحة والمطَّردة لا يُمكن أن تُوجد بغير متعلقاتها ودواعيها؛ لأنَّ الرغبات بمثابة النتائج، بينما المتعلقات والدواعي بمثابة المقدمات، ومن المعلوم أنَّ المقدمات تسبق النتائج، إذ النتائج تترتب عليها لاحقا. إنَّ الوجود المطلق للإله لا يُمكن للإنسان أن يبتدعه إلا بوجود هذا الشعور الفطري فيه من تلقاء نفسه كما هو واضح في الافتقار الوجداني. ونحن هنا لا نتحدَّث عن التَّوهمات والتَّصورات، فـ (لا حجر على التصورات) كما تقول القاعدةُ المنطقيَّة، بل نتحدث عن الميل الوجداني للمطلق.
التاريخ الإنساني (الأنثروبولوجي) كلُّ الحضارات البشرية وكلُّ الأمم عبر التاريخ أقرت بوجود (الإله) واعترفت به رغم اختلافها في الزمان والمكان والدين والثقافة والفنون والعادات والتقاليد والتشريعات ونحوها، ورغم اختلافها في تصوراتها لهذا الإله، فالإنسان العاقل منذ وجوده راوده هذا الافتقار وهذا التَّطلع الوجداني إلى (الإله).
يقول المؤرخ الإغريقي الشهير مستريوس بلوتارك: "لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم تُوجَد مدن بلا معابد (2). وبمثله اعترف المؤرخ الشهير ول ديورانت في موسوعته العظيمة (قصة الحضارة) قائلا: "ولا يزال الاعتقاد القديم بأنَّ الدين ظاهرة تعم البشر جميعًا اعتقادًا سليمًا (3). ويقول المؤرخ الإنجليزي الكبير أندرو لانغ: إنَّ الذَّهن الإنساني كان قادرًا دائمًا وعبر كل العصور على التوصل إلى فكرة الكائن الإلهي
1 - يُنظر: عبد الجبار الرفاعي الإيمان والتجربة الدينية، ص (35 - 54).
2 - يوسف القرضاوي، وجود الله، ص 22.
- ول ديورانت، قصة الحضارة، (1/ 99).
369