مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٧١المبحث الثامن: المستوى الفطري
- لكن تناولهم لهذا الافتقار الوجداني كان بناءً على فرضيَّاتهم من حيثيَّة معرفية (إبستمولوجية)، فهم تجاوزوا وجود هذا الافتقار؛ أي إنَّهم أقروا به من الناحية الوجودية (الأنطولوجية)، وانتقلوا مباشرةً إلى البحث عن السبب الطبيعي لوجوده، وهذه شهادة منهم واعتراف بوجوده، بغض النظر
عن توصيفه الطبيعي؛ لأن الاحتجاج هنا منصب على الوجود نفسه لا على التوصيف الطبيعي. سنتناول - هنا - جانبًا مقتضبًا من الأطروحات المعاصرة لتبرير نشوء الافتقار الوجداني، فقد أفصَحَ عالِمُ الجينات الأمريكي دين هامر عن اكتشافه لما أسماه بجين الألوهية (VMATY) وأنَّه الجينُ المسؤول عن مثل هذه المشاعر الإيمانية والروحيَّة)، وقد وُجهت طعون عدة لهذا الاكتشاف، فهو كشف لم يُعتمد عند المجتمع العلمي بعد، وعلى كل حال فاعتماد هذا الاكتشاف علميًّا - إن اعتُمد - لا يهزُّ من قلوب المؤمنين ساكنا، ولا يزعزع من أفكارهم راسخًا؛ بل إنَّ في اكتشاف مثل هذا الجين زيادة دعم وإسناد لقول المؤمنين بفطرية الإيمان بوجود الله، وأنَّها قضيَّةٌ مدموعةً فى جيناتنا البشرية. ولو قيل بأنَّ هذا الجين قد يكون مُعطَّلًا عند بعض البشر، ومن ثمَّ لا يكون وجود الله أمرًا فطريًّا فيهم، فإنَّ الله أمرًا فطريًّا فيهم، فإنَّ مبلغ هذا القول هو نفي فطرة وجود الله كحالاتِ شادةٍ خرجت عن القاعدة، والشَّاذُ لا حكم له، بل إنَّ هذا القول في الحقيقة ينفي فطرة وجود الله الله عن أمثال هؤلاء، وإنَّما يجعل فِطرتهم كصفحة بيضاء خالية الوفاض، أنَّ الأصل في الجين إن كان خاملا - كما في الاعتراض المطروح - هو أن يُفسح المجال لفطرية وجود من حيثية أخرى، وهي يُسر التصديق بوجود الإله وسهولته وتماشيه مع بنية العقل البشري بكل سلاسة وانقياد في حال استدعاء الأدوات العقلية مباشرةً، ففطرية وجود ليست قاصرةً على المشاعر الوجدانية فقط والتي يُفترض أن يكون جينُ الألوهية (المزعوم اكتشافه) مسؤولًا عنها، وهنا نلفت الانتباه إلى أنَّ دين هامر نفسه يعترف بوجود جيناتٍ وعوامل بيولوجية أخرى بجانب جين الألوهية قد تكون مسؤولةً - هي الأخرى - عن مثل هذه المشاعر الرُّوحيَّة! لقد زعم ريتشارد دوكنز أنَّ مثل هذه المشاعر ما هي إلا مجرد نتاج جانبي للتطور، كما طرح سام هاريس افتراضًا شخصيًّا مفاده وجود احتمال لنشوء مركز الإله (God Center) في المخ البشري يكون مسؤولا عن هذه المشاعر العميقة.
مع
الله
الله
هذه الأطروحات ليست سوى محاولات تخمينيَّةٍ شخصيَّةٍ غير مُدعمة علميًّا)، بل ومن
1 - يُنظر: (http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC 2262126).
2 - أرسل سيجموند فرويد عام (1927 م) رسالةً خطيَّةً إلى صديقه الوزير السويسري أوسكار فيستر، أوضح فيها بأنَّ نظرية الإسقاط
371