مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٧٢

مناجزة الإلحاد

العسر تدعيمها علميًّا، ثمَّ إِنَّ قُصارى ما تُثبته لنا - على افتراض صحتها - هو وجود عوامل طبيعية لمصدر هذه المشاعر؛ أي إنّها ليست سوى توصيفات طبيعية للظاهرة دون أن يكون لها أي مدخل في تفسيرها المعنوي والغائي، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ هذه الأطروحات موجهة سلفًا باعتقاد (أيديولوجي) بأنَّ الإله غير موجود ومن ثم فهي مبنية على الاستشهاد بمحل النزاع، وهذا لا يصح منطقيًّا، بينما يكون الطرح المقابل لها مبنيا على بداهة وجود (الافتقار الوجودي) نفسه، هذا، ونُؤكِّد - كما مر - أنَّ هذه الافتراضات والتخمينات أراد بها أصحابها

الفرار والخلاص من أشر قبضة القول بفطريَّة هذه المشاعر فوقعوا فيما منه فَرُّوا!

فذلكة

إنَّ (الافتقار الوجداني) برهان فطري يسوق الإنسان إلى منصة الاعتراف بوجود (الإله)، وهذا البرهان لم ينكره الملاحدة الذين أسَّسُوا فرضيَّات نشوء فكرة (الإله)، وإنَّما انصبَّت جُلُّ جهودهم على ابتداع فرضيَّاتٍ طبيعيَّةٍ تُبرر وجود هذا (الافتقار الوجداني)؛ بمعنى أنَّ وجوده أمر مفروغ منه، أمَّا الأمر الذي هو محل البحث فهو الأسباب الطبيعية التي يمكن أن تصف لنا كيفية نشوئه! مثله مثل البحث عن كيفية شعورنا بالخوف مع الاعتراف المسبق بوجود الخوف نفسه! ونحن لو افترضنا بأنَّ الخوف - مثلًا - هو منشأ فكرة (الله) وأنَّ استمراريته أصلح لبقائنا - لأنَّه يجعلنا حذرين متأهبين - فإنَّ هذا لا يتعارض مع كون الفطرة قاضيةً بوجود (الله)،

بل هو يُقدِّمُ فِطرةً أخرى تستسلم لوجود الله تعالى ألا وهي فِطْرةُ الخوف أو فطرة الرغبة. ونود لفت الانتباه - مرَّة أخرى - إلى أنَّ هؤلاء الملاحدة لم تكن عملية التأسيس لفرضياتهم عملية بريئة، بل هي عملية ممعوكة بالافتراضات الأيديولوجية المبطنة، فعندما تجد افتراضًا - كافتراض أنَّ التَّفسير المادي ينفي أي تفسير آخر (غائي أو ميتافيزيقي) أو يتعامد معه على طول الخط - موضوعًا على طاولة البحث قبل انطلاق البحث فإنَّك لا تحتاج معه إلى تبين مدى جدية البحث وصدقيته للوصول إلى النتائج الحقَّة أيا كان اتجاهها!

في نشأة فكرة الله - التي تبناها فرويد نفسه - ليست جزءًا من علم التحليل النفسي، وإنَّما رأيًا شخصيًّا له. يقول فرويد: "إِنَّ طبيعة كتابي لا تُشكّل نظريَّةً تحليليَّةً، بل هي وجهات نظري الشَّخصيَّة والتي اتَّفَقَ أن تتشارك مع العديد من غير المحللين، وبكل تأكيد يوجد عدد من المحللين ذوي الباع الطويل لا يشاركونها. (118 - 17. Sigmund Freud، Psychoanalysis and Faith، p) . كما أنَّ الوزير السويسري ينصُّ في إحدى رسائله على أنَّ العالم بدون معابد وبدون أديان سيصبح مجرد جزيرة شيطانية!! (المرجع

السابق، ص 115).

372