مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٧٣المبحث الثامن: المستوى الفطري
هذا
وكما يقول الباحث الميثولوجي فراس السواح عن هذه المشاعر الفطرية: "إنَّها إحساس أولاني متمكن من السيكولوجيا الإنسانية، قوامه مواجهة فريدة مع قوَّةٍ شمولية منبنَّةٍ في العالم، تبدو متصلةً به قدر استقلالها عنه، إنَّه المقدَّس الكلي وقد صار حاضرًا في النفس التي تختبر حضوره بكليتها وفي معزل عن أي موقف عقلاني نقدي، وكما لاحظ رودولف أوتو بحق فإنَّ هذا الإحساس هو واقعيَّةً نفسانيَّةً لا تنشأ عن أي إرادةٍ أو تصميم مسبق، بل العكس هو الصحيح تماما؛ ذلك لأنَّ الفرد يجد نفسه تحت سلطان هذا الإحساس، دون مقدرة منه على توجيهه أو التحكم به، فهو ضحيته أكثر منه خالقا له (1).
و يرى المفكر الإسلامي الكبير مرتضى المطهري أنَّ لقضيَّة الألوهية مُوجّها عقلانيا ومنطقيًّا؛ أي إنَّ الطَّبيعة العقلانية والاستعداد الفطري البشري كانا وراء توجه البشر نحوها، وإنَّه لمن الخطأ بمكان أنَّ نبحث عن عِلَّةٍ خارجيَّةٍ لوجودها، فهي قضيَّةٌ ليس لها محل في علم النفس أو الاجتماع، ويضرب مثالا على ذلك بوجود فكرة الحياة الزوجيَّة والعائلية عند البشر؛ باعتبارها من الخواص الطبيعية لهم، فالبحث عن كيفية نشوء هذه الفكرة عندهم غير صحيح، وإذا كان لمفهوم الألوهية علاقة بالطبيعة العقلانية والمنطقية للبشر، وكان له ارتباط بميولهم الفطرية والذاتية، فحينئذ يكفي لأنَّ يُوجههم ذاتيا نحوه. إِنَّ
جميع الأحوال التي تسيطر على مفاصل حياة البشرية لا تخرج عن إحدى حالتين، إمَّا أنْ تكون أحوالا تعمُّ البشريَّةَ أجمعها مهما اختلف الزَّمان والمكان، وإما أن تكون أحوالا تخص بعض البشريَّة حَسَبَ اختلاف الزمان والمكان، فالأولى لا يُمكن أن تكون ثقافيَّةً ومكتسبة؛ إذ إنَّ عاملي النبات والاستمرار عبر الزمان والمكان يقضيان بذلك، وإذا لم تكن مكتسبةً كانت فطريَّةً غريزيَّة. بينما الثَّانية وبحكم تغيرها حسب الزمان والمكان فلا يمكن إلا أن تكون مكتسبةً وثقافية، فعلى سبيل المثال: التَّناسل والتَّزاوج يعمان البشرية عبر اختلاف الزمان والمكان، بينما التشاؤم والتَّطير من الرقم (13) موجود عند مجتمع دون آخر، فدل الأوَّلُ على فطريته وغريزيته، ودلَّ الثَّاني على كسبيَّته وطُروئه، والنَّاظر في قضية وجود الإله عبر الزمان والمكان يُدرك جليا بأنَّها من الصنف الأوّل. إنَّ الذين اعتقدوا أنَّ منشأ المفاهيم الدينية وتوجه البشر نحو الله كان هو الجهل والفضول، أو الامتيازات الطبقية، أو الحرمان الاجتماعي،
1 - فراس السواح، دين الإنسان، ص 31.
2 - من الواضح أنَّ المقصود من البحث هنا هو البحث (الأنطولوجي) لا البحث (الإبستمولوجي).
373