مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٧٤

مناجزة الإلحاد

أنَّه

أو الكبت الجنسي، أو نحو ذلك من الفرضيات الطبيعية قد افترضوا جزافًا وبلا دليل معتبر لا وجود للعامل المنطقي والعقلي أو الميل الفطري والذاتي ولكن لما ظهر لنا - بجلاء - وجود

هذا العامل المنطقي والفطري لم يعد هنالك مكان لمثل هذه الفرضيات على طاولة الحقيقة! نحن نقول: إنَّ البشر قد تعرَّفوا منذ قديم الأزمنة على مفهوم العِلَّة والمعلول، وهذا الأمر وحده يكفي لتوجيههم نحو مبدأ الكلي، إضافةً إلى أنَّ الإنسان يرى منذ نشأته الأنظمة المحيرة في العالم، وكان يُشاهد في نفسه أنظمة وأجهزة دقيقة، وكان هذا كافيا لتساؤله حول نشوء هذه الأجهزة، أهي من مبدع مدبر أم لا؟! وهكذا … فمع افتراض أنَّ إثبات وجود الله ليس فِطْريًّا فإنَّ أصل البحث عن الله - على الأقل - أمر فطري وذاتي).

اشكالات وإيضاحات

(1) - لا يلزم من الشعور بالشيء وجوده واقعا.

إنَّ هذا الاعتراض صحيح في إطلاقه، لكنَّه يتجاوز - هنا - تقييدات مهمةً جدًّا، فالشعور بالافتقار الوجداني ليس عابرًا، بل هو شعور راسخ ومتكرر ومُلح، إضافةً إلى أنَّه عام ومطَّرِدُ عند جميع البشر عبر تاريخهم، كما أنَّه لا يُمكن لمثل هذا الشعور الحضوري أنْ يُوجد من غير وجود ما يتعلق به، فالعِلم لا يُوجد من غير وجود المعلوم! وإذا كان هنالك علم كان هنالك معلوم، ولو أننا طبقنا - تنزلاً وجدلًا - قانون الاحتمال الاستقرائي فإنَّه سيقف بلا شك في صف هذا التَّلازم بين الشُّعور ومتعلقاته، وقد سبق القول بأنَّ الحديث هنا ليس منصبا على التصور الشَّخصي من الأساس، بل عن الميل الوجداني للمطلق.

إنَّ الميل تجاه شيءٍ لا يُمكن له أن يتحقق إلا بعد الاطلاع على ذلك الشَّيء ومعرفته بصورة من صُوَر المعرفة، فالمعرفة أسبق وجودًا من الميل، وهي التي تُوجد الميل، والإنسان عندما يُدرك ذاته سيجد أنها محض فقر وتعلق صرف، وهذا لا يلزم منه أنَّ الإنسان كان يحمل في ذهنه منذ ولادته فكرةً عن الخالق، وإنَّما وعي الإنسان بذاته يُساوي وعيه بخالقه؛ لأنَّ وعيه بذاته يُساوي وعيه بفقرها وتعلقها بموجدها (2). ولهذا قيل: "من عرف نفسه عرف ربه“.

1 - يُنظر: الطباطبائي أصول الفلسفة والمنهج الواقعي بتعليق مرتضى المطهري، (2/ 552 - 555). "بتصرف“. 2 - يُنظر: محمد اللواتي البعد الضائع في عالم صوفي، ص (334 - 337).

374