مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٧٥المبحث الثامن: المستوى الفطري
(2) - قد يكون هذا الشعور نتاجا للتطور لا أكثر. إِنَّ التَّطور عند القائلين به - يصف الظواهر الطبيعية لكنَّه لا يستطيع تفسيرها، فهو يصف لنا كيف تطور البشر عبر ملايين السنين، لكنَّه لا يُفسر لنا لماذا تطوّروا، أو لماذا وصلوا إلى هذا المستوى دون مستوى آخر، أو لماذا كانت طبيعتهم هكذا، أو لماذا كان مستوى وعيهم كما هو عليه الآن … إلخ، وهذا الاعتراض لو طبقناه على الأمور الفطرية الأخرى سيكون اعتراضًا متعسفا عن جادة الحكمة، فالشُّعور بالعطش هو الآخر نتائج للتَّطور، والشعور بالخوف هو الآخر نتاج للتطور، وهكذا … وكما قلنا سابقًا فإنَّ التَّوصيف الطَّبيعي للظواهر لا يلزم منه التَّعارض مع التَّوصيف الغائي؛ لأنَّ النَّظر في الكيفيَّة يتماشى مع النظر في الغائيَّة ولا يتعارض معها، بل إنَّ هذا هو ما يقتضيه المنطقُ العقلي ويفرضه.
(3) - لا يُمكن الوثوق بهذا الشعور من الناحية المعرفية. يجب أن نعلم بأنَّ كلَّ النَّواحي المعرفية يمكن إيرادُ الشُّبهات والسفسطات عليها؛ ولذا فإنَّ مثل هذه البراهين رغم ظهورها وسطوتها القاهرة تعرّضت - وما زالت تتعرض - للتشكيك والتشويه وسوء الفهم، وعدم وثوق الإنسان بفطرته ليس لبطلان برهانها أو ضعفه، وإنما لولوج مؤثراتٍ خارجيَّةٍ طمستها أو شوهت وجه دلالتها. يقول فراس السواح: "إنَّ الدين لا يقوم على أساس وهمي، ولا على مجموعة من الأفكار الخاطئة التي تم تكوينها في عصر الطفولة الإنسانية، بل إنَّه يقوم على أكثر الأُسس صلابةً في وجود الإنسان: إنَّه الوعي الباطني بالحقيقة). إنَّ إقامة الأدلة العقلية على وجود ا الله وعدم الاكتفاء بالفطرة لا يعني ضعف برهان الفطرة وعدم جدواه، فهو باق على متانته ورصانته برهان وجداني يجده المرء في وجدانه، وهو منه على حبل ذراعه، ولولا السفسطة والجدال بالباطل لما كان هنالك من داعٍ لاستخدام الحجج العقلية في البرهنة على البرهنة الفطرية!
(4) - هذا الشعور من مخلفات البيئة والتنشئة.
لا تُنكر دور البيئة والتنشئة في صياغة فكر الإنسان وقولبته، لكن في الوقت نفسه نحن ننكر جعل البيئة أو التنشئة شماعةً نُعلقُ عليها كلَّ أفكارنا وتوجهاتنا، وكما قلنا سابقا فإنَّ الافتقار الوجداني شعورٌ يعم البشر جميعًا حتَّى أولئك الذين عاشوا في بيئة إلحاديَّة أو نشأوا نشأة
1 - فراس السواح، دين الإنسان، ص 391.
375