مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٧٦مناجزة الإلحاد
إلحادية، ولذلك يقول بول سارتر: "يبدو أنَّ هناك ثقبا في دماغنا لا يسده إلا الله). فرغم إلحاد هؤلاء وجحودهم لكنك تجدهم لا ينكرون وجود (الافتقار الوجداني) وإنَّما يُحاولون توصيف أسبابه بافتراضاتٍ لا بُرهان عليها؛ لينفذوا بجلودهم من تبعاته
(5) - فظرة وجود الإله ليست مطردة، فالملاحدة موجودون كما ترون. لقد مرَّ - في الحجّة الأنثروبولوجية - التنبيه على عموم هذه الفطرة عبر تاريخ البشرية، ووجود الإلحاد مؤخَّرًا ما هو إلا شذوذ عن القاعدة، واستثناء من الأصل السائد، وهذا الاستثناء والشُّذوذ لا ينفي وجود الفِطرة، بل يقودنا إلى النظر في الدوافع التي دفعت بهؤلاء الملاحدة إلى الانحراف عن الفطرة والتنكر لها، وهي بالتأكيد ليست دوافع فطرية مركوزة في البشر، بل
عوامل خارجيَّة!
لا
ثمَّ إنَّ المعرفة الفطرية للخالق كما قلنا قابلة للتَّوهج والخفوت، فالإنسان قد يزيغ عنها أو قد يشعر بها في بعض الفترات، وهذا يُشبه إلى حدٍ ما معرفته الداخلية بجرح أصاب جسَدَه فشعر به، إلا أنَّ وجود عامل أو شاغل خارجي - كزيارة مفاجئة من أهله أو أحبابه - قد يجعله غافلا عن جُرحه غير آبه به!
منه …
يُمكن أن نستعير من عِلم المنطق ما يُسميه المناطقة بـ أسباب التَّوجه)، فالبدهيات رغم ظهورها قد تنقطع عنها بعض أسباب التَّوجه، وهذا بدوره سينزع عنها طابعها البدهي عند من انقطعت عنه تلك الأسباب، أما أصلها فيبقى على أصالته، فالإشكال حقيقةً ليس في ذاتها بل في خارجها، ولتوضيح ذلك نقول: إنَّ الافتقار الوجداني عِلم حضوري، قد يفقده الإنسان إذا ما انقطع. عنه سبب من أسباب التَّوجه، كعدم الانتباه، وعدم سلامة الذهن أو الحواس، أو لولوج الشُّبهة في نفسه وتمكنها يقول العلامة محمد دراز: "واعلم أنَّ الأديان عموم لجميع الأُمم لا يعني عمومها لكل أفرادها؛ فإنَّه لا تخلو أمَّةٌ من وجود (ذاهلين) قد غمرتهم تكاليف الحياة وأعباؤها، إلى حد أنَّهم لا يجدون من هدوء البال وفراغ الوقت ما يُمكنهم من رفع رؤوسهم للنظر في تلك الحقائق العليا؛ كما لا تخلو أمَّةٌ من (منكرين (ساخرين) يحسبون الحياة لهوا ولعبا، ويتخذون الدين وهما وخرافة، لكن هؤلاء دائما هم الأقلُّون في كل أمَّة، وهم - في الغالب - من المترفين الذين
1 - يُذكر أنَّ هذه العبارة قد سبق إليها قبل سارتر الفيلسوف الفرنسي الشهير مونتسكيو صاحب نظرية فصل السلطات.
376