مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٧٧

المبحث الثامن: المستوى الفطري

لم يُصادفهم من عبر الحياة وأزماتها ما يُشعر نفوسهم معنى الخضوع والتَّواضع، وما يُنبه عقولهم إلى التفكير في بدايتهم ونهايتهم، وهذا الاستثناء من القاعدة لا ينفي كمون الغريزة الدينية بصفة عامة في طبيعة النَّفس الإنسانية، كما أنَّ غريزة بقاء النَّوع لا يمنع من عمومها أن بعض الناس لا يتزوجون ولا ينسلون (1).

(1)

(1) - هذا الشعور يجعل وجود الإله ممكنا لا واجبًا.

إنَّه شعور يقودك ضرورةً إلى (الله)، أو على القليل يجعلك تبحث عنه؛ لتتعرف عليه، فدلالة هذا البرهان تقودك إلى الله وتُجبرك على البحث عنه، وهذا الشعور له طابعان، طابع وجداني بحث يتمثل في حضور مفهوم الإله تلقائيا، وطابع وجداني عقلي يتمثل في الإدراك المباشر لقانون العِلَّة والمعلول، وامتزاج هذين الطابعين مع بعضهما يجعل حكم الوجود الإلهي واجبًا لا ممكنًا. (7) - هذا الشعور لا يُخبرني من هو الإله.

ليس من اختصاصات هذا البرهان أن يُطلعنا على صفات الإله، فهو يقف عند بوابة وجود الإله الخالق الذي تأله إليه الفطر وتستدعي القلوبُ وجوده، بغض النظر عن صفاته وأسمائه، فهذه الأمور نعرفها عن طريق الرسالات الإلهية، كما نعرف بعضها عن طريق البراهين العقلية والفلسفية.

المحصلة

بعد هذا التجوال في برهان الافتقار الوجداني) نخلُصُ إلى المقدمتين الآتيتين:

الافتقار الوجداني لله ضرورة موجودة.

كل افتقار ضروري لا بُدَّ له من متعلَّق يستدعيه افتقاره.

ولما كنا قد أزحنا الغشاوات والعقابيل التي قد تحجب سفور هاتين المقدمتين؛ يجب أن يقال: إذا كان الله غير موجود، فإنَّ الافتقار الوجداني غير موجود، لكن الافتقار الوجداني موجود، إذن؛ فالله موجود.

1 - محمد عبدالله دراز، الدين، ص 83.

377