مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٧٨

مناجزة الإلحاد

النداء الطبيعي

من المكونات الفطرية - إضافةً إلى الافتقار الوجداني - هو ما نُسميه بـ (النداء الطبيعي)، فمن فطرة الإنسان وطبيعته أن يلجأ إلى الإله في وقت الشدائد والأزمات، وهذا اللجوء والاعتراف الطبيعي بالإله برهان ظاهر بارةٌ على وجود الإله، في وقت تنقطع فيه كل أسباب الكبر والعناد

والشَّمْخَرَة، وتطمر فيه روافد انطماس الفطرة وانتكاسها وارتكاسها).

إنَّ الإنسان بطبيعته يلجأ إلى (الإله) مستغيثًا وجلًا في وقت المحن والشَّدائد، بغض النظر عن اعتقاداته في (الإله)، بل إنَّك لتجد أولئك الذين يُنكرون وجوده وينتشون بإعلان كفرهم هم أوَّلُ النَّاس في الإيمان به عندما تدقُ ساعة النداء الطبيعي! فهل من برهان فطري أشد

ظهورًا من هذا البرهان المشاهد؟!

الشَّخصيَّة

إِنَّ النداء الطَّبيعي يُرغم مَن لا يلين له جانب ولا يرى من نفسه الخضوع والإذعان للدين داعيه وحاديه، بل هو قادر على إرغام أعتى الملاحدة وأشدهم بأسًا - ممَّن سلبت ألبابهم نشوة الإلحاد وملكت نفوسهم حميا الكفران - على الركوع أمام محرابه، والانقياد العملي والواقعي تحت سطوة سلطانه، وإن اعترضوا عليه نظريًّا بزُخرفٍ من القول، وقدموا افتراضاتهم الهزيلة في تعليل أسباب وجوده، وما محاولاتهم هذه - عند تأملها - إلا إقرار بقوة حضوره واستشعار منهم لسطوة تأثيره تمامًا كإقرارهم بوجود (الافتقار الوجداني) مع محاولاتهم الدؤوبة والفاشلة في تقديم توصيفات طبيعية مختلفة له.

النداء الطبيعي برهان فطري واقعي؛ لذا قيل في المثل الغربي الشهير: "لا يُوجَد ملاحدة في الخنادق. فالملاحدة في خنادق الحروب يثوب إليهم الرُّشد فيتراجعون عن إلحادهم، ويعودون إلى الفِطرة السليمة. ولما كانوا لا يُنكرون وجود هذا النداء الطبيعي - وإنَّما يقتصرون فقط على تقديم افتراضاتٍ طبيعية لتفسير وجوده - فلن نُطيل الحديث فيه؛ لأنَّ ثبوته لا يقوم على معرفة الأسباب الطَّبيعية لوجوده، فلئن كانت هنالك أسباب طبيعية صحيحة وعلميَّةٌ لوجوده فإنَّها ستصف وجوده فقط - أي الكيف - دون أن تُفسّره - أي لماذا - فضلاً عن أن تُنكره من الأساس!

1 - أشارت آيات كثيرة في كتاب الله إلى مثل هذه الحالات، كقوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل: (53). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُورٌ﴾ (الإسراء: 67).

378