مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٧٩

المبحث الثامن: المستوى الفطري

يقول المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري: ومن أطرف القصص التي رواها أحد الرفاق السابقين الفلسطينيين ما حَدَثَ له مع مجموعة من التروتسكيين - تيار شيوعي - حضروا إلى معسكر تدريب الفدائيين، وبادروا صديقي بالسُّؤال عن إطاره النَّظري ومنطلقاته الفلسفية ونقط ارتكازه العقلية، فاحتار صديقي لكنَّه أخبرهم بأنَّهم في هذا المعسكر يؤمنون بالكفاح المسلح، ثم أضاف أنَّه يُمكنهم أن يشاركوا بأنفسهم في عملية عسكريَّةٍ في اليوم التالي، ثمَّ أعدَّ صديقي الماكر عِدَّة سياراتٍ لهم، وتقدَّم الموكب نحو منطقة جبلية، ثم بدأ الرصاص ينهال عليهم بتدبير سابق، وبطبيعة الحال لم يصبهم سوء ولكن - كما أخبرني صديقي - فقد تصرف التروتسكيون مثل أي بشر؛ أي اختبأوا تحت السيارات، ولكن ما فاجأه هو أنَّ كلَّ واحدٍ منهم بدأ يتلو أدعيةً دينية ويطلب العون من الله!!).

إشكالات وإيضاحات

»

(1) - تعليل (النداء الطبيعي بحركة العقل الباطن (اللاشعور).

قد يقول الملاحدة: إنَّ الملاحدة والنَّاس عموما عندما يقعون بالفعل في قبضة النداء الطَّبيعي، فذلك راجع إلى انفعال عقلهم الباطن، فهم قد نشأوا في بيئةٍ مُترعةٍ ومُشبَعةٍ بذكر الإله

والتوجه إليه والاستعانة به، ولولا هذه التنشئة فلن يكون لهذا النداء الطبيعي أي أثر! هذا الاعتراض - أعلاه - يُثبت أمرًا غير مُثبَت، فهو اعتراض مبني على مغالطة إثبات التالي (afirming the consequent) إذ إنَّ البيئة والتنشئة ليستا كل شيء، فلا يُوجد داع لأن تُضرب إليها أكباد الإبل عند كل استدلال ولا يُمكن إهمال دلالات النداء الطبيعي لمجرد ادعاء يستند إلى ادعاء آخر غير مُثبت، بل على النقيض، فإنَّ برهان النداء الطبيعي يُزيل تلك المؤثرات الخارجيَّة التي تأسس عليها هذا الاعتراض - كالبيئة والتنشئة ونحوها - كأن لم تكن من قبل؛ فالملحد الذي أخذ قراره، وشدَّ حزام العزم على نفسه في رحلةٍ تنكر فيها الله؛ فسار في حياته بطولها وعرضها مسيرةً إلحادية لا مكان فيها للإله، فلماذا لم يُوجهه عقله الباطن إلى شتم الإله والإصرار على نفي وجوده في حال الشدة كما تعوَّدَ على ذلك في حال الرخاء والدعة؟!!

1 - عبدالوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، ص (141 - 142). وفي دراسة قام بها أحد خبراء الاقتصاد السلوكي حول مشاعر التدين في وقت الحروب، وذلك بعد النظر إلى عينة من الجنود الأمريكان؛ وجد بأنَّ اعتماد هؤلاء الجنود على الصلاة قد ارتفع من (42?) إلى (72?) كلما اشتدَّ وقع المعركة. (يُنظر: 2277773= https://papers.ssrn.com/sol 3/papers.cfm?abstract_id).

379