مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٨١المبحث الثامن: المستوى الفطري
الضرورات العقلية الأولية
المكون الثَّالث من مكونات الفِطرة هو ما يُسمَّى بـ (الضَّرورات العقلية الأولية)، ويُسميه بعضهم بـ (المعارف الضرورية)، أو (المبادئ العقلية)، وهي تلك القواعد العقلية الضرورية التي يُرجع إليها عند الاستدلال، والتي تتوفّر عليها جميع الأذهان على حدٍ سواء، ويُمكن إرجاعها إلى عِدَّةِ مبادئ رئيسةٍ تقوم عليها جميع المعارف البشرية:
- مبدأ العِليَّة: لكل معلول علة.
- مبدأ الهوية: الشَّيء هو عين ذاته، ولا يمكن أن يكون إلا هو.
- مبدأ عدم اجتماع النقيضين: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معا.
- مبدأ الثالث المرفوع: لا يوجد وسط بين النقيضين، فالشَّيء يكون أو لا يكون). وما يهمنا عند النظر في هذه الضرورات العقلية الأولية ليس (كيفية) تشكلها في وعي الإنسان، ولا (وصف) تاريخ وجودها إن كان بالتدرج أو بدونه، فكل هذه التفاصيل لا تمسُّ حقيقة وجودها، ولا تخدش قيمتها الجوهرية، وكلُّ من حاول النيل من حقيقتها أو القدح في قيمتها وقع في براثن السفسطة وشراك التخلف العقلي فالذين أرجعوا مصدر هذه المبادئ العقلية إلى الحس فقط، أو الذين أرجعوه إلى الحس والفِطرة هم في الحقيقة يُقرون بحقيقتين: الأولى: إثبات وجود هذه الضرورات العقلية الأولية.
الثانية: الاعتماد على قيمتها المطلقة في نهاية المطاف.
إِنَّ
جميع المعارف البشرية والعلوم الكسبيَّة تتّكئ على أعمدة هذه الضرورات العقلية الأوليَّة، فالمعارف المكتسبة لن تقوم لها قائمة إلا بالارتفاق على هذه الضرورات العقلية، ومن
هنا كان وجود الضرورات العقليَّة مستغن عن البرهنة والتدليل، بخلاف المعارف الثانوية المكتسبة، وقد سبق أن قلنا بأنَّ طُرُقَ البرهنة والاستدلالات النظرية يجب أن ترجع في نهايتها إلى قواعد خارجيَّةٍ يتم التحاكم إليها؛ لأنَّ عدم الرجوع إلى مثل تلك القواعد الخارجية يلزم منه الدور المنطقي، فالاستدلال على الشَّيء لا يُمكن أن يتوقف على نفسه.
1 - يُراجع: عبد الرحمن بدوي المنطق، ص (63 - 73).
381