مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٨٢

مناجزة الإلحاد

إنَّ من ينصب الحبائل الخفيَّة في طريق هذه المبادئ العقلية أو من يهتك شرف قيمتها هو في الوقت نفسه يستند إليها من حيث يدري ولا يدري فلو سألته: لماذا تُشكّك فيها؟! فإنَّه سيجيبك بإجابة - أيا كانت هذه الإجابة - هي في الحقيقة انصياع فطري لواحد من هذه المبادئ الفِطْريَّة، وهو مبدأ (السَّببيَّة)، وإنْ لم يُجبك عن سؤالك فهو قد أضمر (السَّبب) في نفسه، وانصاع أيضًا لضرورته الفِطْريَّة؛ بل إنَّ من يُنكر السَّبيئة ستراه يُبرر إنكاره لها بعدة أسباب؛ لتكون أسبابه سببا في قبولنا براهينه!!!

فكل من يجيش صدره بإنكار هذه المبادئ لن يجد سبيلا إلى إنكارها إلا بمحاولة الاستناد إليها لتقرير إنكاره، فيكون مؤمنا بها بقلبه وإن كفرَ بها لسانه، فلا فكاك من سلطان قبضتها بحال، فقول القائل: "أنا أنكر هذه المبادئ. هو قول مستند إلى هذه المبادئ في حقيقته! وإذا ما رجونا نقضًا لمبدأ فطري ما كمبدأ (عدم التناقض) فسوف ينبت حبل رجائنا مباشرةً؛ إذ إنَّ قَبول التناقض ممتنع على العقل والمنطق؛ لأنَّك إن قبلت باجتماع المتناقضين فأنت بهذا ترفض عدم اجتماعهما؛ أي أنَّك سترفض اجتماع المتناقضين وإلا فكيف قبلت اجتماعهما! فمحاولة إبطال هذا المبدأ لا تتم إلا باستخدام المبدأ نفسه، أنت مجبور على ذلك ومسوق

إليه سوقا!

وقول القائل: "لا أعلم شيئًا. هو عمل بمقتضى مبدأ عدم التناقض)؛ لأنَّك ستقول له: وهل تعلم أنَّك لا تعلم شيئًا؟ فإن قال: نعم. فقد أكَّد أنَّ عِلمه شيء وجهله شيء آخر لا يجتمعان، وإن قال: لا أعلم بأني لا أعلم شيئًا. فقد أكد أنه يعلم بأنه لا يعلم أنه لا يعلم! وإذا كان اجتماع المتناقضين ممكنا عند أمثال هؤلاء السفسطائيين العناديين فإنَّ ضربهم بالسياط يستوي مع عدم ضربهم، وعليه فلا بأس إن لسعت السياط ظهورهم! فربما تكون سببًا في تنشيط ذاكرتهم وتحفيزهم على استعادة شيءٍ من الرُّشد المفقود، أو - على الأقل - إدراك ضريبة اللعب بالمبادئ العقليّة وعاقبة الاستخفاف بها!

لقد دار حوار طريف بين فرانك توريك (Frank Turek) وأحد الملاحدة على هامش إحدى المحاضرات في جامعة ويسكونسن) فقد صرَّحَ الملحد بتشكيكه في وجود الضرورات العقلية، فكان الحوار كالآتي:

قال له فرانك: إذن؛ أنت تقول بأنَّها موجودة فعلا! قال الملحد: لا.

382