مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٨٥المبحث الثامن: المستوى الفطري
(2) - إرجاع هذه المبادئ إلى الإله الخالق هو مغالطة منطقية تُعرف بـ (التوسل بالمجهول)، وتطبيق عملي لعقيدة (إله الفجوات)؟! بالتأكيد ليس هذا من قبيل (التَّوسُّل بالمجهول)، ولا من قبيل (إله الفجوات)، بل هو توسل بالمعلوم، فالتفسير الطبيعي نفسه هو الذي أوصلنا إلى هذه النتيجة الضرورية؛ لأنَّه لا يوصلنا بشكل منطقي إلى العِلَّة الحقيقية التي تفرضها المبادئ العقلية الأولية نفسها، وإنَّما ينتهي إلى عِلَّةٍ تحتاج هي الأخرى إلى عِلَّةٍ تنقطع معها سلسلةُ العِلل، فالتسلسل في العلل المؤثرة في الماضي ممتنع عقلا ومنطقا. إذن؛ ليس مرجع هذا إلى الجهل أو القصور العلمي، بل المرجع هو العلم بالاستحالة العلميَّة، فلا يُقال عنه: إنَّه توسل بإله الفجوات.
المحصلة
بعد هذا التجوال في برهان الضرورات العقليَّة الأوليَّة) نخلُصُ إلى المقدمتين التاليتين: قيمة المبادئ العقلية مطلقة وثابتة.
لا يمكن أن تكون قيمتها مطلقةً وثابتةً بغير رجوعها إلى المطلق (الله).
فأما الإقرار بالمقدمة الأولى - قيمة المبادئ العقلية مطلقةً وثابتة - فلأنَّ القول بخلاف ذلك يلزم منه هدم جميع المعارف والحقائق، وأمَّا الإقرار بالمقدمة الثانية - لا يمكن أن تكون قيمتها ثابتةً ومطلقةً بغير رجوعها إلى المطلق (الله) - فلأنَّ كلَّ العِلل - خلا الله - تجعل قيمة المبادئ العقليَّة نسبيَّة، ومن ثمَّ ستنهدم معارفنا البشرية بأجمعها، فلزم من ذلك أن تكون قيمتها الموضوعية والمطلقة مستمدة من المطلق وهو (الله).
وعليه؛ فإذا كان المطلق (الله) غير موجود، فإنَّ الضَّرورات العقلية المطلقة غير موجودة، لكنَّها موجودة ومطلقة فعلا، إذن؛ الله موجود.
الأسس الأخلاقية
إِنَّ الأُسس الأخلاقية مكوّن من مكونات الفطرة الإنسانية، فالإنسان يُدرك فطريا وجود الأخلاق المطلقة، فهو يُدرك وجود الخير والشر، والعدل والظلم والإساءة والإحسان، والصواب والخطأ، على الرغم من أنَّ المادَّة لا توصف بالخير ولا بالشَّر؛ لأنَّها عمياء غير هادفة، ولا تتحرك إلا في إطار مقتضيات الحتمية الطبيعية؛ مما يعني أنَّها لا تبلغ طور إدراك هذه المعاني الشامية،
385