مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٨٦

مناجزة الإلحاد

ولا تصل إليه همتها. هذه المعاني الأخلاقية السَّامية ملازمةٌ بالضرورة لفطرة الإنسان من حيث إدراكه لوجودها، وإدراكه لقيمتها الموضوعيَّة المطلقة؛ ولهذا نجد تقريبًا كل أولئك الذين أسَسُوا للأخلاق بعيدا عن الله قد أقروا في الوقت نفسه بوجود هذه الفطرة في الإنسان.

وهنا ستبرز ثلاثة أسئلة مُلحة:

من الذي غرس هذه الأُسس الأخلاقية في فطرتنا؟!

من الذي أعطاها قيمةً موضوعيَّةً ومطلقة؟!

مَن الذي جعل الجزاء الأخلاقي مُسلَّما به عند عموم البشر؟!

إنَّ الجواب الفطري هو الإله الخالق، لكن المعترضين لن يُسلسوا قيادهم لهذا، وسيسلكون لرفضه كلَّ طريق، فهم يتعلَّقون بشمَّاعة عموم الأخلاق وانبثاثها في المجتمعات البشرية مطلقا، عموم يدخل فيه أولئك الذين ينكرون وجود الله أو أولئك الذين لا يعنيهم البحث عن وجوده أو عدمه، وهو أمرٌ مُشاهَدٌ وواقعي، فكثير من الملاحدة أخلاقيون كما نرى! بل قد يستدلُّ بعضهم بالدراسات التي تُؤكِدُ أنَّ الإحساس بما هو أخلاقي وغير أخلاقي موجود بالتساوي بين البشر مؤمنهم وملحدهم. وهنا يقع الملاحدة في فقاعةٍ كبيرةٍ من تجاهل المطلوب، فإنَّ منبت الإشكال ليس في وجود ملاحدة بمستوى أخلاقي راقٍ، فهناك ملاحدة بمستوى أخلاقي منحط، كما أنَّ هناك متدينين بالمستويين ذاتهما من الرقي والانحطاط!

إذن؛ هذا يقودنا إلى النظر في أصل الإشكال، وهو الأخلاق من الناحية الوجودية (الأنطولوجيَّة) وليس من الناحية المعرفية (الإبستمولوجية)، أو الأخلاق من الناحية النظرية لا العمليَّة، أو بلغة المناطقة من ناحية التَّصور لا التصديق. فهل ستكون هذه الأخلاق مطلقةً وموضوعيَّةً - حسَبَ اقتضاء الفطرة والطَّبيعة البشرية - بدون وجود الإله المطلق)؟!

إنَّنا نعتقد جازمين بأنَّ هذه الأخلاق التي يُقر الجميع - تقريبًا - بأنَّها موضوعيَّةً ومطلقة لا يُمكن أن تتوشّح الموضوعية والإطلاق إلا بوجود الإله الخالق ومن أجل ذلك فإنَّ الملاحدة

1 - تحديدنا لأصل الإشكال بهذا الحد لا يعني أنَّ الدين ضروري للأخلاق من حيث القيمة المعرفية فقط، بل هو ضروري أيضًا من حيث تأثيره على أنماط الأخلاق وتعزيزها وغرس مفاهيمها في وجدان البشرية عبر التاريخ؛ بحيث إنَّ الملحد نفسه ليس بمعزل - قطعًا - عن تأثيرات الدين في منظومته الأخلاقية من حيث يدري ولا يدري، فالتراكمات الدينية عبر التاريخ - لا ننسى بأنها مجتمعية وليست فردانية - هي التي شكلت رأس مال الأخلاق في الوعي البشري عمومًا!

386