مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

المبحث الثامن: المستوى الفطري

الذين حاولوا إرجاع قيمة الأخلاق إلى مرجع غير الإله - كالمجتمع أو المنفعة أو السعادة - وقعوا في مأزق معرفي كارثي، فهذه المراجع وما ضارعها نسبية متغيرة تركب أي موجة، وتمتطي ظهر أي صرعة، وهذا يؤدي إلى نفي الأمر وإثباته في الوقت نفسه (التناقض الذاتي)، فالاعتراف بأنَّ هذه الأخلاق موضوعيَّة ومطلقة، ثمَّ إرجاع قيمتها إلى أمورٍ نسبية ومتأرجحة يجعل حكمنا الأوَّل طلاقة الأخلاق وموضوعيتها مستبعدًا لصالح الحكم الثَّاني (نسبية الأخلاق وعدم موضوعيتها)؛ لتناقضهما الصريح!

إِنَّ أغلب الفلاسفة يرون أنَّ للأخلاق قيمةً موضوعيَّةً ومطلقةً في ذاتها - يُسميها إيمانويل كانت بقاعدة الالتزام المطلق - وقلَّةً منهم أعطت الأخلاق قيمةً نسبيةً متحركة باعتبارات عقلية ونفسية ومجتمعيَّة، فالموضوعيون منهم نظروا إلى بواعث الأفعال، والنسبيون منهم نظروا إلى نتائج الأفعال دون الالتفات إلى بواعثها. ويُمكن تلخيص أهم المراجع والمعايير الأخلاقية التي اقترحها الفلاسفة على النحو الآتي:

(1) - الضمير البشري: فهو من يسوق البشر إلى الخير ويردعهم عن الشر.

ووجه الاعتراض عليه هو أنَّه مصدر لا يُعطي للأخلاق معنى إلزاميا ثابتًا، ولا قيمةً موضوعيَّةً مطلقة، فالضمير - على الأغلب - انعكاس للمجتمع، وعاداته ومن هنا تفقد الأخلاق قيمتها الموضوعية المطلقة، فتصبح مهتزَّة متأرجحةً بناءً على مزاج المجتمع حال صفوه وحال گذره! كذلك ستصبح الأخلاق غير إلزاميَّة، فالضمير يتساوق مع قولنا: إنَّ مصدر الأخلاق هو الفطرة. وهذا لا يُعطيها معنى إلزاميا ولا قيمةً ثابتةً؛ لأنَّ الضَّمير والفِطرة تعتريهما الانحرافات حسب المؤثرات الخارجيَّة، فلا تغدو مرجعيتهما ثابتةً ومعيارية).

(2) - العاطفة والمشاعر: فهي التي تدفع إلى البذل والإيثار والتضحية.

والاعتراض ظاهر على هذا المعيار، فإنَّ الحيوانات تمتلك المشاعر والعاطفة أيضًا، وهذا لا يجعل تصرفاتها العاطفية أخلاقيةً وتصرفاتها غير العاطفية لا أخلاقية، فضلا عن أنَّ العاطفة غير إلزامية هنا، وليست موضوعيَّةً أو محايدة، وبهذا تفقد الأخلاقُ إلزاميتها وقيمتها الموضوعية المطلقة.

1 - عن الضمير ونقد معياريته يُنظر أحمد أمين كتاب الأخلاق، ص (15 - 19).

387