مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٨٨مناجزة الإلحاد
ونستحضر بهذا الصدد جواب برتراند راسل عندما سأله كوبلستون - في مناظرة جرت بينهما - عن الأساس الذي به يكون تمييز الخطأ من الصَّواب، فقال له راسل إنَّه يميز بينهما كما يُميز بين الأصفر والأزرق فأجابه كويلستون بأنَّ التَّمييز بين الألوان يكون عن طريق الرؤية بخلاف الخطأ والصواب فقال راسل إنَّه يُميز بين الخطأ والصواب عن طريق المشاعر!! لقد كان كويلستون رؤوفًا جدا براسل فلو أراد تسديد سهم مصم وضربة طاحنة إلى الأساس الذي استند إليه راسل؛ لقال له إنَّ هناك - مثلاً - من يأكل لحوم البشر ولا تقعده مشاعره أو تُشغله عواطفه عن فعل ذلك! فأيُّ المشاعر - مشاعرك أم مشاعرهم - هي الصائبة؟! وعلى أي أساس استندت في التصوبة والتخطئة؟ ومن أين أتى معيار حكمك عليها أمن داخلها أم خارجها؟! (3) - اللذة العامة أو المنفعة العامة: وهما معياران مختلفان قال بكل واحدٍ منها عدد من الفلاسفة النسبيين، فما يؤدي إلى اللَّذة أو المنفعة فهو الأخلاقي، وما يؤدي إلى الألم أو الضَّرر فهو غير الأخلاقي.
هذا المعيار ينقض نفسه بنفسه، فهل المقصود باللذة والمنفعة هو اللذة والمنفعة الحالية أم المستقبلية؟! فمن المعلوم بأنَّ استغلال اللذة والمنفعة الحالية قد يحرمنا من اللذة والمنفعة المستقبلية، وأنَّ من تعجل الشَّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه! بل إنَّ اللذة والمنفعة قد تترك وراءها شعورًا بالندم والاكتئاب، وهذا يُناقض الشُّعور النابع من طبيعة العمل الأخلاقي!! كما لا يخفى أنَّ هذا المعيار معيار نفعي براجماتي)، ينزع عن الأخلاق كل قيمها المطلقة والموضوعية والإلزاميَّة، ويُحوّلُ الإنسانَ إلى حيوان مسعور يبحث عن لذاته ومنافعه الزائلة بغض النظر عن الوسيلة والباعث.
(4) - المجتمع: فهو قاضي قضاة الأخلاق، وهو من بيده سلطة الفصل بين ما هو أخلاقي
وغير أخلاقي.
وبغض النظر عن فقدان الأخلاق لقيمتها الموضوعيَّة المطلقة إذا ما اتَّبعث هذا المعيار المتحول والنسبي - كما سيأتي - فإنَّ هذا يعني بأنَّ الخروج عن المجتمع، والإتيان بقيم أخلاقية جديدة، وإحداث تغييرات وإصلاحاتٍ فيه، يُعد أمرًا غير أخلاقي!! بل هذا يعني أنَّ الملحد
1 - يُنظر: برتراند راسل لماذا لست مسيحيا، ص (224 - 225). 2 - نعت برتراند راسل الفلسفة البراجماتية بأنها فلسفة نذلة وخسيسة!!
388