مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩المبحث الثامن: المستوى الفطري
ذاته - وبدون أن يدري - غير أخلاقي؛ لأنَّه عادةً ما يخرجُ عن خط سير مجتمعه بمجرد إعلان إلحاده، فتراه أزهى من وعل الخلاء، يهيم في بيداء إلحاده، ويتوه في أودية رغباته وشهواته، دون أن ينظر إلى أخلاقيات مجتمعه إلا بلحاظ شزراء!
(5) - كل ما يُسبب السَّعادة والصحة والرَّفاهيَّة: فالسَّعادة والصحة هما مَن يُحدد ما أخلاقي وغير أخلاقي.
هو
وهذا المعيار يُفقد الأخلاق مصداقيتها وقيمتها المطلقة، فالسَّعادة لا ضابط لها، وتختلف من شخص إلى آخر، فمثلا: ما يُسعِد الشَّخصيَّات المازوخيَّة والسَّاديَّة لا يُسعد الشَّخصيَّات الأخرى!! ثمَّ إِنَّ هنالك جملةً من الأمور لا يمكن ضبطها بهذا المعيار المتأرجح، فهل يُصبح عقوق الوالدين أخلاقيا إن كان يُسعِدُ حقًّا العاقَّ بهما؛ بحجّة أنَّهما لم يقوما بحق تربيته كما يُريد؟! بل إنَّ هناك من يتلذذ بالقتل والاعتداء على الآخرين، ويشعر بسعادة غامرة إزاء ذلك، فهل أصبح عمله هذا أخلاقيًا بمجرد تلذذه وسعادته به؟! هل التعرض للملحد بالإيذاء أو القتل يُعد أمرًا أخلاقيًا إذا ما قام به شخص تحتَ دافع الشُّعور بالنشوة والسَّعادة الغامرتين العارمتين؟! يقول المفكر الإسلامي البوسني علي عزت بيجوفيتش: "إذا غامر إنسان بحياته فاقتحم منزلًا يحترق ليُنقذ طفل جاره، ثمَّ عاد يحمل جثته بين ذراعيه، فهل نقول: إنَّ عمله كان بلا فائدة؛ لأنَّه لم يكن ناجحًا؟!). إنَّ العمل الأخلاقي الفاضل الذي قام به هذا الرجل عمل بعيد عن الصحة والرفاهيَّة؛ لما لفعله من عواقب قد تكون كارثية على الرجل نفسه؛ إذْ قد يتأذى بنسبةٍ كبيرة ولأنَّ الطفل ربَّما يكون في عداد الموتى! ولو افترضنا عدم موته فإنَّ الإصابات والأمراض والحروق وما ينتج عنها من تشوهات قد ترافقه طوال مسيرة حياته! وهذا ما قد يسلبه السَّعادة والصحة والرفاهية، بل قد يُعطيه جرعةً زائدةً من الألم والضَّرر! فهل يكون عمله هذا غير أخلاقى؟! بلا شك أنَّ النَّاس جميعًا كانوا - ولا يزالون - يعدون مثل هذا وما أشبهه من ضروب الأعمال الأخلاقية الكبرى التي يستحق بها صاحبها تخليد الذكر بتسطيره على صفحات الكتب، أو بنحته على هيئة تمثال أو بتناقله عبر التراث الشفوي عبر الأجيال المتعاقبة، وما أشبهها من صور تخليد الذكرى المختلفة!
1 - علي بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص 176.
389