مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠مناجزة الإلحاد
(6) - القاعدة الذهبية (عامل النَّاس كما تُحب أن يعاملوك): فهي المعيار الأوحد فيما هو أخلاقي وغير أخلاقي.
ولا شكّ أنَّ هذه القاعدة مُستمَدَّةٌ في الأساس من التعاليم الدينية، ولكن إذا غضضنا الطرف عن هذا فإنَّ القاعدة نفسها لا تُوجد فيها أي قيمةٍ إلزاميَّة! فمن أين تكسب هذه القاعدة قيمتها بغير وجود الله؟! هل من المجتمع؟ أليس المجتمع مرجعيةً سبق نقضها لعدم موضوعيتها وطلاقتها!! ثم هل هذا المعيار نفسه موضوعي؟! إذا كان الشخص - مثلًا - ساديًا أو مازوخيَّا، ويُحب أن يُعامله الناسُ بناءً على شخصيَّته تلك، فهل الناسُ يُحبون أن يُعاملهم هذا الشخص بناءً على شخصيته التي لا يُحبونها؟!! إذا كان الشَّخصُ يتلذذ بالاغتصاب والشذوذ والاحتيال والكذب والغش ويُحب أن يُعامله النَّاسُ بناءً على مبدئه، هذا فهل يُحِبُ الآخرون أن يُعاملهم هذا الشَّخصُ بناءً على مبدئه؟! إِنَّ للإنسان نازعًا فِطْريًّا يدله على الخير والشر، فالأخلاق في حقيقتها موجودة في البشر على حدٍ سواء، حالها كحال الأمور الفِطْريَّة الأخرى، وإنَّ المرجع الأكبر لسوء الفهم في قضيَّة الأخلاق يعود إلى النَّظر إليها من منظور التطبيق - والذي قد يكون شاذًا أحيانًا حسب المجتمع وأحواله - بينما كان الواجب أن ننظر إليها من منظور القواعد والمنطلقات، فعلى سبيل المثال: قضية بر الوالدين من القضايا الأخلاقية وطريقة برهم تكون بإطاعتهم وعدم الإساءة إليهم .... لكن وجدنا أنَّ بعض المجتمعات - كالإسكيمو مثلًا - تعتقد بأنَّ أنماط البر بالوالدين عند مرضهما وعجزهما: مواراة أجسامهم في الثَّلج حتَّى الموت. بل ويرون مخالفة ذلك من العقوق!! وكمثال آخر فإنَّ بعض القبائل البدائية - كقبيلة الفيجان - يعتقدون بأنَّ تعذيب زوجات الرؤساء بعد وفاة أزواجهنَّ عمل مقدس!
من
هذه التَّصرُّفات وأمثالها دفعت بعض الفلاسفة إلى أن يركبوا متن الاعتقاد بنسبية الأخلاق؛ لأنَّهم لم ينظروا إلى الأخلاق كقاعدة وكمبدأ موجود عند جميع البشر، وإنَّما نظروا إلى التطبيق الشَّاذ في عملية فهم قواعد الأخلاق، فنحن نرى بأنَّ القاعدة الأخلاقية أو المبدأ الأخلاقي واحد عند الجميع، وهو هاهنا (بر الوالدين)، واحترام الأزواج، والأمر النسبي هو السلوك والتطبيق وليس القاعدة أو المبدأ. ومن هنا وقع هؤلاء الفلاسفة في تناقض مريرٍ مع أنفسهم، فهم يُميزون بفطرتهم بين ما هو أخلاقي مطلق وما هو غير أخلاقي، لكنَّهم لم يستطيعوا أن يوفقوا بين فطرتهم هذه وما رأوه من تلك السلوكيات المجتمعيَّة الشَّاذَّة!
390