مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٩١المبحث الثامن: المستوى الفطري
إنَّ الدين يتدخل في توجيه المجتمع إلى تحقيق الغاية الأخلاقية بطرق أخلاقية مثلى، فالغاية لا تبرر الوسيلة، والمجتمعات التي تشد عن غيرها في طريقة تحقيق الغايات الأخلاقية - كالمجتمعات التي تقتل كبار السن بدافع أخلاقي من قبيل الشفقة والرحمة - لا يُمكن أن تكون تصرفاتها الاجتماعية معيارًا معتبرًا للأخلاق، ومن هنا كان التفريق بين الغايات والوسائل مطلبًا ضروريا لا ينبغي التجانف عن مسلكه.
لقد خضنا حوارًا - من بين حواراتٍ كثيرة حول قضيَّة الأخلاق - مع أحدهم ذات مساء، - وكان مما اعترك واعتلج فيه:
قلنا: هذه الأخلاق - كالظلم والعدل - هل هي مطلقةً بحيث يكون الظلم مرفوضًا والعدل -
مطلوبًا مطلقا، أم هي أمور نسبيَّةً متغيرة، فيكون الظلم مطلوبًا والخير مرفوضًا؟! قال لنا: بل هي مطلقة، بل إنَّني أستطيع أن أحاكم الإله نفسه بـ (مشكلة الشر والألم)!
قلنا له: من الذي جعل هذه الأخلاق ذات قيمة مطلقة وموضوعية؟!
قال: المجتمع.
قلنا له: كان الناس في بعض المجتمعات الأوروبية - قبل عقود - يأكلون لحوم البشر، ولا يرون بأسًا في ذلك! فهل تخطئة أكل لحوم البشر أمر نسبي؛ بحيث إنَّه يصبح مقبولا إذا ما ارتضاه المجتمع وأطبق عليه، أم أنَّه مرفوض مطلقًا؛ لأنَّه أمر موضوعي ومطلق؟! هل ما تفعله - مثلا - قبائل الفور Fore في غينيا الجديدة من أكل لحوم الأقارب المتوفين يُعد أمرًا أخلاقيا صحيحًا لأن مجتمعهم يُمارس ذلك بكلّ صلافة)؟! فما كان من صاحبنا إلا أن تهرب مرحلاً الحديث عن قضيتنا إلى إشعار آخر (إشعار آخر يبدو أنَّه لن يكون)!!
إنَّ هناك جماعاتٍ ومنظماتٍ غربيَّةٍ تدعو إلى إباحة اغتصاب الأطفال والتَّحرُّش بهم، فهل موافقة المجتمع على هذه الأعمال غير الأخلاقية تجعلها أخلاقية؟!! وإذا ما أتاك آتٍ مثل الملحد بيتر سينجر الذي ادعى - بناءً على مقتضيات الإلحاد - عدم وجود مانع من ممارسة الجنس مع الحيوانات؛ شريطة عدم انتهاك حقوقها!! هل ستصبح هذه الدعوى أخلاقيةً إن
1 - الدراسات الأنثروبولوجية التي توضح وجود نوع من الشذوذات. عند بعض القبائل البدائية لا يمكن القياس عليه، فالشذوذ لا عبرة له، والفطرة تتأثر بالمؤثرات الخارجية كالبيئة ونحوها لكنَّها لا تموت، والأهم من كل ذلك أنَّ الأهداف الأخلاقية لا هو تختلف، بل ما يختلف هو الوسائل الموصلة إليها، وهذا ما لم يتنبه إليه الكثيرون.
391