مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٩٤مناجزة الإلحاد
ما يُعرف بقانون (المثير والاستجابة؛ فاستجابة البهائم محكومة بالقانون السالف لا بقانون
الأخلاق وتوابعها. فاعترافنا إذن بفطرية هذه الأسس الأخلاقية وبحثنا عن موضوعيتها وقيمتها المطلقة بعيدًا عن وجود الإله هو في حد ذاته محاولة خاسرة تجعلنا نرجع إلى الإقرار بوجود الله أو الوقوع في النسبية وعدم الموضوعيَّة، وإذا اعتقدنا بنسبيَّة الأخلاق وعدم موضوعيتها وقعنا فيما وقع فيه لورانس كراوس وأمثاله من مصادمة الفطرة مصادمة نكراء، وهتك ستر قيمتها الموضوعية! فهل اغتصاب الأطفال أمر خاطئ على الإطلاق أم هو نسبي؟! هل القتل العمد بدون سبب موجب هو أمر خاطئ على الإطلاق أم نسبي؟! وهكذا … كلما زادت الأمثلة زاد معها تلعثم الملاحدة وارتباكهم، ثم تتفرّق كلمتهم هنا، ويضطرب أمرهم، وتنحل عقدتهم!! فنحن نُدرك ضرورةً وفطرةً أنَّ اغتصاب الأطفال وإيذاءهم عمل قبيع أخلاقيا، وهذا الإدراك منا هو إدراك فطري يُشبه إدراكنا بأنَّ الواحد نصف الاثنين، وأنَّ للآخرين عقولًا كعقولنا، ولكننا قد لا نستطيع البرهنة على ذلك منطقيًّا؛ لأنَّ الإدراك الفطري يكفي بنفسه، وهو فوق كل برهنة، بل إنَّ البرهنة ترجع إليه في النهاية، فالظلم قبيح باعتراف الجميع، لكن لماذا هو قبيح؟ قد يُقال: لأنه يسلب حقوق الآخرين … إلخ، ولكن لماذا يكون ما يسلب حقوق الآخرين قبيحًا؟! ستتنوع الإجابات لكنَّها حتمًا ستنتهي إلى الشُّعور الفطري المطلق في نهاية المطاف، فمن أين اكتسبنا هذه القيمة المعنوية المطلقة لنجعل الظلم قبيحًا مطلقًا!! هنا يظهر حجم العجز والخور الذي يفتُ في عضد الخطاب الإلحادي؛ لأنَّه سيبرر القيمة المطلقة بأمور تجعلها نسبية! وهذا يشبه تماما منهجية من تقول له: لماذا (211)؟ فيقول لك: لأن المجتمع حداثي!
يقول الأديب والمفكر الإيرلندي الكبير سي. أس. لويس C. S. Lewis) : " لكن إذا سألنا: لماذا ينبغي لي أن أكون غير أناني؟! وأجبتم: لأنَّ هذا خير للمجتمع. يمكن عندئذٍ أن أسأل: ولماذا يعنيني ما هو خير للمجتمع إلا أن يصدف أنَّه ينفعني أنا شخصيا؟! وعندئذ تضطرون إلى القول: لأنَّه ينبغي لك أن تكون غير أناني. وهذا إنَّما يُرجعنا إلى النقطة التي منها انطلقنا، إنَّكم تقولون ما هو صحيح ولكنَّكم لا تتقدَّمون إلى أبعد من ذلك أبدا!! (3).
1 - الكاتب الإيرلندي الشهير (1898 - 1963 م) تُرجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية، من مؤلفاته: (ثلاثية الفضاء)،
و (رسائل سكروتيب)، و (سجلات نارنيا). 2 - مرتضي فرج، أفي الله شك، ص 418.
394