مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٩٥المبحث الثامن: المستوى الفطري
إنَّ اعتقاد الملحد بأنَّ الكون وما فيه جاء إلى الوجود محمولًا على أكتاف الصدفة، وأنَّ الإنسان ما هو إلا مجرد وسخ كيميائي موجود علي کوکپ متوسط الحجم كما يقول ستيفن هوكنغ ويتابعه معجبوه فيما قاله - أو مجرَّد كومة تراب عفنة كما يقول آخر - لو كان كل هذا الهراء صحيحًا فلماذا غُرست هذه الأخلاق المطلقة في فطرتنا؟! ولماذا كانت لها قيمة مطلقة وموضوعيَّةً مستقلة عن وجودنا؟! فإذا لم يكن هناك إله خالق، وكان مجيء الإنسان بالصدفة العمياء، فكيف إذن تكون هذه الأخلاق بهذه الموضوعيَّة؟ وكيف يشعر الإنسان بتساميها وتعاليها عن وجوده الصدفوي؟!
يقول عالم الأحياء التطوري الفرنسي جاك مونود: "إِنَّ إحدى المعضلات الكبرى في الفلسفة هي العلاقة بين عالم المعرفة وعالم القيم، فالمعرفة هي وصف للواقع بـ (يكون)، والقيم هي (ما يجب أن يكون؛ أي الحتميَّة. سأقول بأنَّ كلَّ الفلسفة التقليدية ومن ضمنها الشيوعية قد جربت اشتقاق (يتحتَّم) من (يكون) وهذا مستحيل، فإن كان الأمر صوابا، وأن ليس هناك من هدف في الكون، وأن البشر نتاج الصدفة المحضة، فلا يمكنك اشتقاق (يتحتّم) من (يكون) (1).
لقد استنتج كثير من الفلاسفة والمفكرين والعلماء والأدباء عدم جدوى التأصيلات الأخلاقية فيما لو تم إقصاء الإله عن مسرح الوجود، فها هو الأديبُ الرُّوسي الكبير دوستويفسكي يقول على لسان السجين ميتيا في روايته الشهيرة (الإخوة كارامازوف): "ما الذي سيصير إليه الإنسانُ في هذا كله بغير إله وبغير حياة آخرة؟! وإذن فمعنى هذا أنَّ كلَّ شيءٍ سيكون مباحًا بعد الآن وأنَّ في وسع الإنسان أن يفعل ما يشاء كل شيء سيكون مباحًا بعد الآن» (2). ويواصل قائلا: "ما عسى أن يحدث إذا لم يُوجد الله؟ لنفترض أنَّ (راكيتين) على حق، لنفرض أنَّ الدين فكرة من صُنع خيال الإنسان، إذا لم يُوجد الله كان الإنسانُ هو سيد الأرض، ورئيس الكون! عظيم! ولكن كيف يكون هذا الإنسان فاضلا بدون الله … إنَّك إذا أنكرت الله تنتهي إلى زيادة سعر اللحم أنت نفسك، فتربح بالكوبك روبلًا» (3).
1 - أحمد حسن، أقوى براهين جون لينكس، ص 526.
2 - دوستويفسكي، الإخوة كارامازوف، (161/ 4 - 162). ونُشير هنا إلى الخطأ الذي وقع فيه سلافوي جيجيك عندما زعم في مقطع مرئي له على (اليوتيوب) بأنَّ العبارة لم يذكرها دوستويفسكي، وإنما جان بول سارتر، وهذا غير صحيح، إذ إنَّ دوستويفسكي قد سبق سارتر إلى العبارة المذكورة بعدة عقود كما أثبتناه أعلاه بمصدره. - المرجع السابق، (169/ 4).
395