مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٣٩٧

المبحث الثامن: المستوى الفطري

مغالطة وليست فعضلة!!

لقد طرح الفيلسوف الإغريقي سقراط في محاوراته - التي نقلها عنها تلميذه أفلاطون مع يونيفرو (Euthyphro) معضلة السُّؤال الأخلاقي والتي سُميت بـ (معضلة يوتيفرو)، أو كما يسميها بعضهم أيضًا بـ (مفارقة يوثيفرو). إنَّه - حسب ما تقوله المعضلة - من غير الممكن أن يكون الله هو مصدر الأخلاق المطلقة! فهل يُصبح الشَّيء جيدا وصالحًا لأنَّ الله أراده هكذا، أم أنَّ الله أراد الشَّيء الجيد والصالح في ذاته)؟!

فإذا قلت بأنَّ الشَّيء جيد وصالح لأنَّ الله أراده فهذا يعني انتفاء موضوعية الأخلاق، فالجيد والقبيح والصَّواب والخطأ أحكام نسبيَّةً متغيرة لا ضابط لها إلا إرادة الإله واختياره، والحال أنَّها ليست كذلك! وإذا قلتَ بأنَّ الله أراد الشَّيء لأنَّ الشَّيء جيد وصالح في نفسه، فستصبح الأخلاق مستقلةً ومستغنيَّةً عن الإله؛ لأنَّها ذات قيمة موضوعية لحالها، ومن ثم فلا حاجة للإله في تقرير ما هو أخلاقي وغير أخلاقي!

لو سألنا: هل الظلم قبيح لأنَّ الله نهى عنه، أم أنَّ الله نهى عنه لأنَّه قبيح؟! فإن قلت بالأوَّل فأنت تعترف بأنَّ الظلم غير موضوعي وغير مطلق؛ بحيث إنَّه لا يُمكننا أن نحكم بقبحه إلا وإن قلت بالثَّاني فأنت تعترف بأنَّ الظُّلم موضوعي ومطلق نستطيع أن نحكم

بسبب من

الله

بقُبحه دون الاستناد إلى أي سُلطة إلهيَّة). هذه هي الرسالة التي تطرحها المعضلة. ونحن نقول إنَّ الشَّيء لا يكون موجودًا قبل الإله الخالق لكي يُقال: "هو جيد وصالح لأنَّ الله اختاره“. أو: لأنَّ الله اختاره فهو جيد وصالح. فهذه المعاني المجرَّدة كلُّها في علم الله الأزلي قبل جعلها، ويتضح من هذا أنَّ المعضلة ما هي إلا أغلوطةٌ منطقيَّة! فالله أراد الشَّيء لأنَّ الشَّيء جيد

وصالح وحَسَنُ في عِلمه الأزلي قبل أن يخلقه، بل وقبل أنْ يَفْطِر الإنسانَ على التمييز بين.

ما

1 - طُرحت المعضلة بصياغات متنوعة من قبيل: (هل التَّقي يُحبه الله لأنَّه تقي أم أنَّه تقيُّ لأَنَّ الله يُحبه؟!). وكذلك: (هل المقدَّس مقدَّس لأنَّ الله أمر به، أم أنَّ الله أمر به لأنَّه مقدَّس؟!). وأحداث قصة الحوار بدأت عندما سأل سقراط يوثيفرو عن معنى الخير، فأجابه بأنَّه ما يُرضي الآلهة، فاعترض عليه سقراط بتعدد الآلهة وأنَّ كلَّ إله قد يرضى بشيء لا يرضاه الإله الآخر! فقال يوثيفرو: إنَّ الخير إذن؛ هو ما اتفقت عليه الآلهة. وعندها صرّح سقراط بفكرة المعضلة: (هل الخير خيرًا لأنَّ الآلهة اختارته، أم أنَّ الآلهة اختارته لأنَّه خير؟!). 2 - لن نخوض في تفصيل مسألة كيفية معرفتنا القبح الظلم، ونكتفي بالإشارة إلى أنَّ الظلم - من حيث صلابة المبدأ لا مرونة التطبيق - قبيح فطريا ونعرف قُبحه حضوريًا في أنفسنا كما نعرف حزننا وفرحنا وغضبنا وهدوءنا، أما من حيث مرونة التطبيق فالمجال مشروع للعمليات العقلية التي تكشف عن قبحه، وأما ما تختلف فيه العقول وتتنازع فمرده إلى الفصل الإلهي.

397