مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٣٩٩المبحث الثامن: المستوى الفطري
وهذا ليس بشيءٍ مطلقا؛ لأنَّه لم يُقدم ولم يُؤخر شيئًا، فكل قطع الأثاث المستهلكة بقيت على حالها!! وما زال السؤال الأخلاقي في وادٍ وسام هاريس ومَن لفّ للَّه في واد ناءٍ سحيق! ومرة أخرى تثور الأسئلة ولا تغور، فلماذا كان ما يجلب العافية هو المقبول أخلاقيا!؟! ولم يجب علينا قبول هذا المعيار!؟! وهل العافية معيار موضوعي وإلزامي ومطلق!؟! وتذكّر - مرة أخرى - بأن أعظم الفضائل الأخلاقية كالتّضحية والإيثار والأعمال البطولية تأتي معارضة ومعاكسة للمعيار الذي يفترضه سام هريس ومن معه، فهل مثل هذه الفضائل ستنقلب إلى قبائح مرذولة ومثالب مستبشعة لتضمن بعضها الألم، ولتضحية بعضها بالمنفعة الشخصية من أجل منفعة الأمة أو المجموع، ومن ثمَّ ستصبح أعمالًا غير أخلاقية!!
وهنا يبرز كذلك السؤال التالي: قبل تقدُّم العلوم التجريبية في العقود الأخيرة، ألم تكن الأخلاق سابقا ذات قيمة مطلقة؟! من البين - بعد طرحنا لهذا السُّؤال - أنَّ رؤية سام هاريس رؤية نسبيَّةٌ سطحيّةً تحيد عن موطن الإشكال من كونه يبحث عن القيمة المطلقة - كما كان ينبغي له - إلى كونه معيارًا نسبيًّا مؤقتًا!! ثمَّ إنَّ هذا الطَّرح (الهارسي) لم يقدح مطلقًا زناد البرهنة والاستدلال، فالعِلمُ يُخبرنا عمَّا يُقدم العافية للإنسان لكنَّه لا يُخبرنا لماذا كلُّ ما يُقدمُ العافية للإنسان هو أخلاقي مطلقا؟! إِنَّ العِلم يُخبرنا بأنَّ تناولك لكمية ضئيلة من سُم البوتوكس (Botox) ستقضي عليك حتمًا، لكنَّه لا يقول لك تناوله أو ابتعد عنه!
فالأخلاق إذن؛ ليست من اختصاصات العِلم التَّجريبي حتّى تلز وإياه في قرن وتُرسَنَ به في رَسَن وبطبيعة الحال لم يكن لمثل هذا الأمر أن يمر مرور الكرام على عباقرة من طراز ألبرت أينشتاين فقد سبق أنَّ صرَّح بأنَّ مسائل الأخلاق ليست من المسائل العلمية، وأنَّ العِلم عاجز عن البت فيها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما صرّح بأنَّ كلَّ محاولة لاختزال الأخلاق في معادلات علميَّةٍ قطعًا ستفشل)! كذلك نَصَّ العالِمُ الفرنسي الكبير هنري بوانكاريه في كتابه (الأفكار الجديدة على أنَّه لا وجود لما يُسمَّى بالأخلاق العِلميَّة، بل لن يكون لها وجود من الأساس؛ لأنَّ قصارى ما سيفعله العِلمُ هو أن يكون مساعدًا للأخلاق بالواسطة! ومثله صرّح الفيزيائي الكبير ريتشارد فاينمان بأنَّ القيم الأخلاقية تقع خارج إطار العلم! بل إنَّ ريتشارد
1 - Max Jammer، Einstein and Religion، p. 69.
2 - Richard p. Feynman، The Meaning of it All، p.43
399