مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٠٠مناجزة الإلحاد
دوکينز نفسه كان يرى - حتَّى وقت قريب - بأنَّ العِلم لا يُمكنه أن يُحدّد الأخلاق، وبأنَّ أهلية العلم لتقديم النصائح الأخلاقية تتعاورها المشكلات باتفاق الجميع!
إنَّ الابتعاد عن جوهر الإشكال يتكرر في المحاولات الإلحادية الجديدة، كمحاولة الملحد مايكل شرمر في كتابه (علم الخير والشَّر) وكتابه (القوس الأخلاقي) ومحاولة دوكينز في كتابه (وهم (الإله ونحوها من المحاولات العديدة، فجميعها ترفع راية نسبية الأخلاق؛ لأنَّها تنطلق من محور فلسفة (التَّطور الأخلاقي)، والذي يلزم منها الاعتقاد بعدم وجود الأخلاق الموضوعية والمطلقة، فالنظام الأخلاقي كالنظام البيولوجي قابل للتَّطور بحسَب منعرجات الطبيعة، والشعور الإنساني بهذا النظام هو وليد رَحِم الصُّدفة!! فالطَّبيعة تُرغم الإنسان على أن يستشعر النظام الأخلاقي حسب مراحل تطورها المختلفة تماما كما يحدث لعالم الحيوان! فالأسد عندما ينقضُ على طريدته ويأكلها ليبقى على قيد الحياة هو لا يرتكب جنحةً أخلاقية، بل يعمل وفق مقتضيات
الطَّبيعة المتطورة، وهكذا تكون حال الإنسان إذا ما اعتمد مبدأ نسبية الأخلاق وتطورها! في الحقيقة إنَّ "الأخلاق لا تطور فيها، والإنسان هو العنصر الثابت في تاريخ العالم، لقد دخل الإنسانُ التاريخ برأس مال أخلاقي مبدئي هائل، إنَّ الأخلاق لها موجات صعود وهبوط، ولكن لا تطور فيها على الإطلاق، فمن وجهة نظر الأخلاق فإنَّ العصر الحجري الحديث يُعتبر انتكاسةً في القيم الأخلاقية عن العصر الحجري القديم، فالأخلاق في استقلال عن الزَّمن. والفلسفة الأخلاقية بعد أفلاطون لم تُحقق أي تقدم على الإطلاق، وكتابات شيشرون في الأخلاق لا تزال صالحةً إلى اليوم وأفكار أرسطو الأخلاقية ومسرحيات سوفوكليس المأساوية يُمكن وضعها في أي عصر من العصور لتناسبه. الأخلاق بطبيعتها لا تتطور، وإنما تبدأ من جديد، ويحدث التدهور الأخلاقي في الغالب في نهاية الحضارات. لقد ألف يوربيديس مسرحية (نساء تروجان) الأخلاقية في أزمان ما قبل التاريخ، وأكملها سارتر بعد آلاف السنين دون فجوة زمنيَّة تُذكر. إنَّ أخلاق الأقيانوسة - وهي أكثر مناطق العالم تخلفا - لا تختلف عن أخلاق أي منطقة متحضرة بالعالم، وفنون الأقيانوسة التي تسرد وقائع أخلاقية تجد مكانها في المتاحف الأوروبية والأمريكية ولا ثمة فجوة حضارية بينها وبين مثيلاتها الغربية. إنَّ القاعدة التي
لا
خلاف عليها أنَّ الاخلاق لم تخط خطوةً واحدةً إلى الأمام منذ العصر الحجري القديم، فجميع
1 - يُنظر: ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ص 59.
400