مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٠١

المبحث الثامن: المستوى الفطري

معلمي البشرية سواء كانوا أنبياء أو مصلحين جميعهم علموا البشرية الأخلاق نفسها … وعندما نسرد تاريخ الأمم عبر كل العصور نجد الاختلاف في السلوكيات الرسمية فحسب، أما في قواعد الأخلاق وفي القيم الأخلاقية فلا نجد توافقا بل تطابقا مطلقًا). إنَّ من لوازم إنكار وجود الله التَّخلُّص من هذه الفِطرة الأخلاقية المطلقة؛ لأنَّها فِطرة بدائية موجودة في الإنسان كوجود فطرة الإيمان بالله، فلا يُوجد مبرر لطلاقة الأخلاق وقيمتها المستقلة عند من ينكر وجود الله، خصوصًا إذا ما نظرنا إلى طبيعتها المعنوية، فالمنفعة واللذة والمجتمع والعلم والتطور ونحوها من المراجع تُخالف فطرية الأخلاق وقيمتها المطلقة!!

نعم؛ فإذا لم يكن هنالك من خالق يرى ويسمع ما يفعل البشر، وإذا لم تكن هنالك من دارٍ أخرى يثيب الله فيها المحسن على إحسانه، ويُعاقب المسيء على إساءته، وكان الكسب المادي في هذه الحياة الدنيوية هو وحده الكسب المعتبر لكان الصادقون الأمناء الموفون بعهودهم - إن أضاع عليهم صدقهم وأمانتهم مكسبًا ماديًا - هم المغفلين الذين لا عقل لهم، ولكان الكذابون الخونة هم العقلاء، لكن العقل يقول إنَّ الأمر لا يمكن أن يكون كذلك … إنَّ النَّاس مفطورون على أنَّ هذه القِيَم قيم يحسن بهم أن يلتزموا بها، لكن الملحد يعتقد أنه ليس وراء هذه الحياة من حياة، والصدق في هذه الحال يفوت عليه لذّةً عاجلة، ففيم التضحية بعدها وأنت لا تنتظر أُخرى … يقول بعض المتحذلقين من الفلاسفة إنَّه لا معنى للسلوك الخلقي إلا أنْ تُضحي مثل هذه التّضحية التي لا ترجو لها ثوابًا، وإنَّك إذا عملت الخير رجاء الثواب كما يفعل المتدينون لا يكون سلوكك هذا سلوكًا خُلقيًّا بل تجاريًا، لكن هؤلاء ما علموا أنَّ التضحية المطلقة أمر يتنافى مع الفكر المادي الذي يسيرون عليه في حياتهم، فكيف توفق بين الوازع الأخلاقي الذي يضطرنا أحيانًا إلى التخلي عن اللذة والمنفعة، والفكر المادي الذي يدعونا إلى اللذة والمنفعة، لا يوجد حل مقنع إلا بنبذ أحد طرفي المعادلة؛ الأخلاق أو الفكر المادي!! (2).

مع

إنَّ المأزق الأخلاقي سيظل مُطاردًا الملاحدة كلَّ آن وحين، فإذا تصادمت الأخلاقُ المصلحة، أو المنفعة، أو المجتمع، فلماذا ينبغي عليَّ أن أكون أخلاقيا؟! لماذا يلزمني أن أكون صادقًا إن كان صدقي يقتادني إلى أن أفقد مالا حصلت عليه، أو خدمةً أنتفع بها؟! لماذا ألتزم بمساعدة الآخرين وقد يُكلفني هذا النَّفس والنفيس؟! لماذا أكون مُؤثِرًا غيري على نفسي مع

1 - هيثم طلعت مناظرة الملحدين، ص (179 - 181).

2 - جعفر شيخ إدريس الفيزياء ووجود الخالق، ص (57 - 65)، بتصرف.

401