مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٠٥

المبحث الثامن: المستوى الفطري

مباشرةً وقبل أن تتعلَّم؟! كيف تطمئن الأسماك الصَّغيرة (المنظفة) وتلين لجانب الأسماك الكبيرة المفترسة؟! كيف تثق بها وكأنها قد أبرمت اتفاقًا مسبقًا معها؟!

ولك أن تقلب ناظريك في عالم النَّمل، سابرًا، أغوراه، مستكشفا بدائع أسراره! ذاك العالم الذي يضج بالحيوية والنشاط والفراهة: نظام بديع آسر خالب للألباب! وحياة ممتلئة بالمثابرة والمواظبة والعمل الدؤوب معرفةٌ شاملة ومُبرمجة بكيفية استحداث المساكن وعمارتها، وأخرى بكيفية المحافظة على الطّعام وادخاره دون أن يفسد أو أن يُصيبه عارض سوء! تقسيم متفرد للمهام والأعمال والمناصب! احتساب وتخطيط دقيق للحاضر والمستقبل!

إنَّ بعض أنواع البعوض تُطلق مادَّةً لزجةً في الهواء، وما إن تجف تلك المادة حتَّى يتشكّل منها قارب تضع البعوضة عليه بيضها، ثم تتركه يمخر عباب الماء وهو يحمل بيضها قبل أن يفقس، لتموت الأم عقب ذلك مباشرةً، وبعد أن تفقس البيوض وتخرج اليرقات تتكرر العمليَّةُ ذاتها، فمن الذي علم تلك اليرقات بأن تقوم بمثل الدور الذي قامت به الأم دون أن يروها أو يروا من رأوها؟!

ليس من شك أنَّ هذه الكائنات لا تستطيع تحديد كل ذلك ولا حسابه إلا بوجود قانون غريزي من نوع ما، وهذا القانون لا بُدَّ أن يكون مُقننه متعاليا وخارجًا عن الطبيعة نفسها؛ لأنَّ الطبيعة لا يُمكن إلا أن تُوصَف بظواهرها، فهي لا تستطيع إخبارنا بما فوق ذلك مما هو خارج عنها، كالغايات والمقاصد النظرة المستقبلية الدقيقة

والإنسان هو الآخر مدفوع بهذه الغرائز، فغرائزه التي زُود بها منذ ولادته، كالعطش والجوع تتطلب الإشباع الحتمي، وإذا لم تُشبع مات الإنسان وسَكَنَ نسيسُه، وهي تتحرك داخليا وتثار للإشباع من خارجها، بخلاف الغريزة التي تتطلب الإشباع فقط، فإذا لم تشبع سببت القلق والأرق للإنسان ولكنه مع ذلك يبقى حيًّا، مثل غريزة الجنس والأمومة، فهي لا تتحرك داخليا، ولا يحصل الشعور فيها بالحاجة إلى الإشباع إلا بمثير خارجي، فإذا وُجد ما يثير هذه الغريزة من الخارج تحرّكت وظهرت الحاجة إلى الإشباع، وإذا لم يُوجَد المثير الخارجي تبقى الغريزة كامنةً دون شعور بالحاجة إلى الإشباع، فالحاجة تكمن وراء الدوافع، وهي التي تُوجه السلوك إلى إشباعها وتُعيد للعضوية توازنها).

1 - يُنظر: (الموسوعة العربية العالمية).

405