مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٠٦مناجزة الإلحاد
من الذي أرشد الطفل إلى التقام ثدي أمه وارتضاعه تلقائيًا قبل أن يكتسب أو يتعلم شيئًا؟! ومن الذي جعل محور ارتكازه على الفم في شهوره الأولى؟ من الذي زرع فيه غريزة التدين؟! ومن الذي غرس فيه غريزة حب البقاء؟! مَن الذي أنبت فيه غريزة حب التفوق … إلى آخر هذه التساؤلات التي لا تكتفي بوصف ما يحدث فقط، بل تشرع باحثةً عن تفسير الوصف نفسه بعد التحقق من صحته علميًّا.
إنَّ الغريزة إرادة مقصودة لتحقيق هدف معين، ووجود الإرادة بطبيعة الحال يسبقه علم بالمراد، ولما كانت الغرائز رغبات فإنَّ الرَّغبات لا تُوجَد إلا بعد وجود المرغوبات، فمن الذي أنشأ هذا القانون الطبيعي الذي ربط بين الرغبة والمرغوب، وقبل ذلك وضع المعلومات التي
تسبق الإرادات؟!!
إنَّ الكائن الحي بحاجة إلى الطاقات الآتية إليه من الطبيعة تماما كحاجة أي جسم إلى الطَّبيعة التي تحتضنه ولكن بفارق واحد وهو أنَّ الجسم الحي يحس بهذه الحاجة، ولذلك سُمي الحيوان بالـ النامي الحسّاس، وهذا الإحساس ناشئ من عمليات الأعصاب الداخلية والخارجية، والتي تحمل إلى الدماغ كلَّ التَّطورات الحيوية التي تطرأ على الجسم، فمثلا: الحاجة إلى الدفء يحس بها الإنسان من إحساس الأعصاب بالبرد، ثم يحمل هذا الإحساس إلى الدماغ، والحاجة إلى الطعام تُعرف من الأعصاب الداخلية التي تحمل هي الأخرى إلى الدماغ تأثيرات الأجهزة الهضميَّة، وكذلك الحاجة إلى الجنس والنوم، وبوجود هذا الإحساس يُوجد الألم الذي قد يكون خفيفًا فنسميه (الرغبة)، وقد يكون شديدًا فنسميه (الوجع)، وحقيقة الألم أنَّه نوع من الضَّغط البيولوجي على الإرادة البشرية لكي تتَّخذ تصميما باتجاه تقليل هذا الألم أو رفعه، كما يضغط الابنُ على والده الشَّفوق بتهيئة حاجةٍ له، وخضوع الإرادة لنداء الألم
يعني اتباع الإنسان لغريزته. إذن؛ للغريزة ثلاث مراحل:
1 - مرحلة الحاجة البيولوجية، وتُسمى بـ (الغريزة).
2 - مرحلة الإحساس الحيوي، وتُسمى بـ (الشهوة).
- مرحلة الضغط على النَّفس، وتُسمى بـ (الهوى)).
1 - يُنظر: محمد تقي المدرسي المنطق الإسلامي أصوله ومناهجه، ص (140 - 141).
406