مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٠٧

المبحث الثامن: المستوى الفطري

الغريزة في حقيقتها أمر غير مكتَسَبٍ ولا ينتقل وراثيا فهي موجودة أيضًا في الكائنات البسيطة التي تملك جهازًا عصبيًّا محدودًا لا يُسعفها في تفعيل كل تلك الخدع والتمويهات والهندسيَّات المحيرة التي تقوم بها غرائزيًّا، وشغالات النَّحل - على سبيل المثال - لا يُمكن لها أن تنقل غرائزها وراثيا؛ لأنَّها من الأفراد العقيمة - كما هو معلوم - وهذه المعضلات هي التي جعلت تفسير الغريزة أمرًا متعسرًا جدًّا بدون وجود الإله الخالق المدبر، وهذا العُسر لا يعود إلى جهلنا بالآليات الطبيعية التي تُمكّننا من عمليَّة وضع توصيفٍ علمي دقيق لهذه الغرائز، فلا شكٌّ بأنَّ وجود مثل هذا التوصيف العلمي ممكن على المستوى الظاهري، لكنه أمر غير ممكن على المستوى الغائي وعلى مستوى العِلل الحقيقية وهو المستوى الأهم؛ لأنَّ وجود التوصيف العلمي يجرنا منطقيا وعقليًّا إلى المطلب الغائي، ولأنَّ مجرَّد وجود التوصيف العلمي نفسه يعني أنَّ الأمر قد غدا مفهومًا، ولن يكون الأمر مفهومًا إلا بمعرفتنا للقوانين العلمية، وإذا كان الأمر (مفهومًا + مُقنَّنا فلا بُدَّ إذن مِن وجود ذاك الذي قنَّنَ القوانين وجعلها قابلة للفهم والتأمل والتَّدبر! إنَّ معرفة الدواعي الطَّبيعية لنشوء هذه الغرائز، كالاحتكام إلى التَّطور وآلياته، يضرب موعدًا مع تساؤلاتٍ لا محيص عنها، فكيف حدثت هذه الغرائز بعد أن لم يكن لها وجود؟! وكيف تكتسب وهي ملازمة لوجود الكائن الحي وحياته قدما بقدم؟! وكيف تتناقل مع أنَّ عامل الوراثة في نقلها لا يُوجد عند بعض الكائنات؟! ثمَّ إنَّ معرفة (الكيف) لو افترضنا تحققها على أرض الواقع - وهذا ما نرجوه في المستقبل القريب - فسوف تبقى معضلة معرفة مصدر (الكيف) نفسه بعد تشكله، فالأسباب الطبيعية لا تُغني عن الأسباب الغائية، وقانون الانتخاب الطبيعي نفسه - وغيره من القوانين الطبيعية الأخرى - مَن الذي قننه ومَن الذي أوجده؟! ثُمَّ إِنَّ التَّطور الدارويني له تخوم يقف عندها لا يجاوزها، فهو لا يستطيع تفسير الغريزة في الحقيقة؛ لأنَّ الجانب الأبرز منها يخص المعنويات والمعلومات، بل وفوق ذلك كله فإنَّ قدرتنا على فهم الغريزة طبيعيًّا سيقودنا إلى الاستدلال بهذه المقدرة على الفهم على أنَّها - أي الغريزة - منظمة ومَدبَّرةٌ ومُوَجَّهَةٌ، فلو لم تكن كذلك لما استطعنا فهم قانونها.

()

بل وإن أخذنا بالفرض العلمي المُسمَّى بـ (تأثير بالدوين/ Baldwin Effect) فإنَّ الكثير من غرائز الكائنات لا يُمكن توصيفها بهذا التأثير فليست كل الغرائز مبنية على التقليد أو التعلم،

1 - يُنظر على (اليوتيوب: ريتشارد دوكنز، كيف لسلوك مكتسب أن يتحوّل إلى غريزة موروثة، (مقطع مرئي مترجم):

407

(https://www.youtube.com/watch?v=foQslUObzKI)