مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ٤٠٨

مناجزة الإلحاد

ثم يأتي الانتخاب الطبيعي ليستبقي الكائنات الأسرع في عملية التعلم والتقليد، ثم يصبح الأمر مهارة مكتسبةً يتم توريثها ونقلها عبر الجينات للأجيال اللاحقة إنَّ قضية توريث الصفات المكتسبة عن طريق التَّعلم والتقليد ليست محل اتفاق علمي - بدليل النتائج المختلفة بين تجربة إيفان بافلوف وتجربة ماك دوبين - فضلا عن أنَّ الانتخاب الطبيعي أو الصدفة ليست إلا مصطلحات ذهنية، وضفية فهي ليست كيانات متشخصةً لها مصاديقها الخارجية - ومن باب أولى ليست مُدرِكةً وواعية - لذلك فإنَّ أي تفسير للحكمة والعلم والإبداع لا بُدَّ أن يرجع إلى ذات واعية ومدركة لها مصداق خارجي، فالمجازات تبقى مجرد مجازات!

هذا المستوى من الوعي والتَّخطيط والتكيف له ثلاثة تفسيراتٍ محتملة حسب ما يقتضيه السَّبر والتقسيم، أو ما يقتضيه البرهان الشرطي المنفصل:

- (1)

وعي هذه الكائنات وإدراكها وتفكيرها: وهذا احتمال غير مقبول في غير الإنسان؛

لأنَّها تفتقر إلى العقل والتفكير والاستدلال ولا سيما الأنظمة غير البيولوجية منها. (2) - الخاصية الذاتية: بمعنى أنَّ هذه الكائنات تمتلك في تركيبتها البنيوية ما يهديها إلى القيام بكل هذه الأمور: وهذا احتمال مرفوض يقتضي التسلسل الممتنع والدور المنطقي؛ لعلمنا بحدوث هذه الكائنات وأنَّها لا تملك عِلَّة وجودها فمن باب أولى حدوث الخاصية الذاتية نفسها. (3) - الإلهام والهداية الإلهية: ولا يعني الاعتقاد بهذا الاحتمال نفي وجود آليات طبيعية من نوع ما تقوم مقام المجرى بالنسبة إلى الماء؛ إذا ما اعتبرنا بأنَّ الآلية هي المجرى، والإلهام والهداية هما الماء.

إذن، تبقى قضيَّة الهداية الغريزية برهانًا باهرًا على وجود الإله الخالق المدبر، فمن الذي غرس هذه الغرائز في الكائنات بأسرها على اختلافها وتنوعها؟ ومن الذي هداها إليها وألهمها إياها؟! وإن حَدَثَ أنْ توصلنا إلى قانون طبيعي يحكمها؛ فمن الذي قنَّن هذا القانون؟! من الذي أخضعه ليكون فاعلا ومطَّرِدًا؟! لا بُدَّ من وجود إله خالق مدبر، ولا مناص من هذه الإجابة الضرورية، فوجود الهداية الغريزية برهان لا يزيغ عنه عاقل قلب فيما يراه خواطره، وأعمل

فيه رويته).

1 - لقد تطرق القرآن الكريم إلى ذكر قضيَّة (الهداية الغريزيَّة) في كثير من آياته، وأسماها بـ (الهداية) و (الإلهام)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: 68). وقوله تعالى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (طه: 50).

408