مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤١١المبحث الثامن: المستوى الفطري
ذات يوم عندما ظنَّ بأنَّه من الممكن أن نبحث عن هدف لوجود الكون، وأرجع هذا التسرع إلى نوع من الحنين لعالم تُسبح فيه السَّماوات بحمد الله. أما الان فهو لا يعتقد بوجود أي هدف للكون أمَّا الصَّحفي الملحد كريستوفر هيتشينز فتكفيه السُّخرية وممارسة الجنس، هذا هو معنى الحياة عنده كما يقول بعظمة لسانه! في الحقيقة إنَّ هذه الأسئلة الوجودية الوجدانية ليست من اختصاص الفيزياء ولا الكيمياء ولا الأحياء؛ لأنَّ هذه العلوم بطبيعتها تُجيبك فقط عن (الكيف) أو النمط الظاهري، فإذا ما حاولت الإجابة عن الأسئلة الوجودية عن طريق هذه العلوم فإنَّك ستتطرق لزامًا إلى التذبذبات الكمومية، وكيف يُمكن أن ينشأ شيء من الفراغ الكمومي - ونحو ذلك مما هو خارج عن إطار المعنى الذي يتطلبه هذا النوع من الأسئلة - كمثل إجابة الملحد لورانس كراوس عن سؤال: (لماذا يُوجد شيء بدلا من لا شيء! وهذا أمر آخر يختلف عن الواقع الذي تفرضه الأسئلة الوجودية، فعندما يعرف الإنسانُ (الكيف) تظلُّ فِطرته تُلح عليه في البحث عن إجابة تخصُّ (لماذا)، إجابةٍ تخصُّ (المعنى)، وإنَّ التَّهرب من قبضة الأسئلة الوجودية والتحايل عليها لا يُجدي نفعا، وكلُّ ما يفعله مثل هذا الطرح الإلحادي هو أن يكون طرحًا مُوجَّها أيديولوجيا يستبعد الغائية - بحكم اختزاليته الفجة - التي تحملها الأسئلة الوجودية، طرحًا يُحاول تجنبها بإعادة صياغتها كما يُريد هو لا كما تُريد الفِطرة في مغالطة منطقيَّةٍ صارخة من (تجاهل المطلوب)! وباختصار: فإِنَّكَ إِنْ بحثت عن إجابة لهذه التساؤلات من خلال العلوم الطبيعية وحدها فأنت كمن يبحث عن رقم هويته الشَّخصيَّة في كتاب (مئة عام من العزلة)؛ قائلًا: "لم أجد ضالتي بعد بحثي المضني! أو كمن يبحث عن الصور البلاغية في ديوان (النبهاني) باستخدام الأشعة المقطعيَّة (CT scan) ثم يرجم سفها بأنَّ الديوان سخيف وخالٍ من الصُّور البلاغيَّة! وقد تجد إجاباتٍ أُخرى في بعض الأطروحات الإلحادية تُحيل دفة تفكيرك إلى النظر في الأسئلة الوجوديَّة بوصفها نتاج آليَّةٍ معقدة حدثت في الدماغ البشري بفعل تراكمات واقعية طويلة الأمد ومرَّةً أخرى يطرح الإلحاد فرضيَّةً غير مثبتة وغير مدعمة، ثم يقوم بإعادة تدوير أسطوانة تجاهل المطلوب) فهذه الفرضيات لا تُجيب عن حقيقة الأسئلة الوجودية مطلقًا، فهي تخبرنا عن (الكيف) - تنازلا وتسليمًا بصحة هذا الإخبار علميا - وتتجاهل (لماذا).
ليتبجَّحَ
1 - يُنظر: ستيفن واينبرج، أحلام الفيزيائيين، ص 199.
411